فهرس الكتاب

الصفحة 692 من 5287

وملاك القول فإن الحالة السكلوجية المعقدة ـ تلك التي خلقها لكثير من النزعات التقدمية الفرنسية الوضع المنبثق عن حرب الجزائر ـ قد بدأت تتكشف عن بوادر عراك اديولوجي واتجاهي داخل التكتلات السياسية التي تتجسد فيها مبدئيا الحقيقة الواقعية لوجود هذه النزعات. وإن ارتجاجات سياسية ذات أصول عقائدية قد تنبثق عن هذا العراك الفكري لتعين من جانب على تجلية الحقيقة المبدئية للتقدمية الفرنسية، وتسهم من جانب آخر في تعزيز فعالية القوى التحريرية الإنسانية الزاحفة نحو (( الهدف ) )المشترك.

إن الأهمية السياسية التي تمثلها ـ في خضم المعترك الفكري الفرنسي ـ هذه التكتلات المختلفة هي في الواقع ذات اعتبار كبير، الأمر الذي من شأنه إن يمكنها من تحقيق وجودها بالقوة بالفعل واعتماد هذا الوجود في العمل على ابتداع حلول عقلانية ديالكتيكية لمجموع جوانب المشكل الفرنسي الدولي بما فيه الجزائر

إنه لا ينقص هذه الكتل ـ من حيث هي قوة سياسية وفكرية موجهة إلا أن تتقمص روحا نضالية حقيقة تتناسب وخطورة الدور الذي ينتظرها، ثم تعمل على استغلال رصيد الجماهير الفرنسية من المشاعر الخيرة وذلك في سبيل تكوين إدارة شعبية كاسحة تقتدر على تعديل الوجهة الحالية للسياسية الفرنسية حيال الجزائر.

ولكن لا يمكن أن يتم بصورة أساسية إلا إذا وجدت هذه الوحدات المتوزعة التي تلتقي عند نقطة الاتجاه التقدمي طريقها إلى تحقيق نوع من التماسك والتكافل فيما بينها. إن ذلك من أمره أن يكفل لها أكبر قسط من فرص النجاح في العراك الذي يفترض لها أن تخوضه لأجل الجزائر إبقاء على نبالة الفكرة التحررية الفرنسية وحفاظا على مثاليتها، فليس مما يعين على ترجيح إمكانية الفوز في هذا العراك ـ بالنسبة إلى التقدميين الفرنسيين ـ أن يوجد بينهم كل هذا التباين في طرائف التفكير ومناهج العمل وأساليب التخطيط بل وطبيعة الأهداف والمرامي. وليس مما يمكن أن يحقق دور الفكر الفرنسي في تحرير الجزائر أن يوجد من بين إعلامه من يؤازر ـ في القضية الجزائرية ـ حلا ذا أساس استقلالي كامل حينما يوجد في ذات الوقت من يرتضي لتصفية المشكل حلولا جانبية ذات أشكال متنافرة تتدرج في أصولها من عناصر إطارية (( قانون الإطار ) )إلى مصادر ازدواجية ولتتدنى أخيرا فتستمد أساساتها من مبادئ تقسيمية أو امتزاجية ..

إن قضية الحرية لا يمكن أن تكون أبعاضا وإن الأسس التي يجب أن ينهض عليها العمل التحريري لا يسوغ بالتالي أن تكون متضاربة أو متضادة، إن الجوهري في الواقع هو النفوذ ـ عن طريق الإقناع ـ إلى أعماق الفكر الشعبي الفرنسي وذلك مما لا يمكن أن يتم إلا بسبيل العمل السياسي والفكري الذي توجهه أرادات متساندة وتضبطه مناهج ذات أسس منظمة وفعالة. وهذا ما يبدو أنه قد تجوهر في ضمير كثير من العناصر الواعية من بين التقدميين الفرنسيين إذ بدأت منذ عدة أشهر ترتسم في الأفق ملامح تشكيل سياسي تحرري جديد أساسه العمل المتكاثف على مواجهة محاذير هذه الأشكال الخفية من الأوليغاركية المقنعة تلك التي أخذت تتأثر بالمقدرات السياسية للشعب الفرنسي وتتبنى توجيهه توجيها يتناءى في الغالب ـ والجزائر كمثال ـ مع واقعه المصلحي وسلامته المصيرية.

وكانت مناقشة السلطات الاستثنائية منفذا لبروز بعض الصور عن هذا التساند التقدمي، على أنه أخذ بعد ذلك يبدو في أشكال أكثر أهمية وكان من بينها (( تجمع ) )يوم 18 أكتوبر الماضي في (( ديجون ) )حيث أمكن لكثير من العناصر الاشتراكية والرادكالية والمسيحية وحتى الحمراء أن تعبر عن وجهة نظر تحررية وموحدة حول موضوع (( التهدئة ) )بالجزائر وقد نجمت ـ بعد كل ذلك ـ على الصعيد الشعبي بوادر اتجاهات تكتلية مماثلة قد يمكن أن يكون لها ـ استقبالا ـ وزن كبير في تعديل مجرى الاتجاه السياسي الفرنسي وعلاقته بالقضية الجزائرية، إلا أنه من الضروري أن تتطور فيبدأ ـ بعد أن تستتم شخصيتها ـ في اعتماد الوسائل السياسية الرسمية سواء على الصعيد الحزبي أو البرلماني.

إن مدلول مجموع هذه (( الظواهر السياسية والفكرية ) )هو ما تعبر عنه من أن الفكر الفرنسي التقدمي لم يصل في موقفه من قضية السلطة المجردة ـ تلك التي تتشخص في الوضع بالجزائر ـ إلى ما يمكن أن يعتبر بالنسبة إليه اندحارا أو أفولا، وأنه إذا كان ثمت من بوادر كسوف أو إرهاصات انحلال فإنها بالقياس لهؤلاء الذين تهالكوا على التنكر لمعقولية التفكير السياسي وسويته والتجهم للمنزلة التي أحلها الفكر الفرنسي ما سجله عبر القرون من مآت تحررية وانطلاقية ن إنهم أولئك الذين درجوا منذ حادثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت