فهرس الكتاب

الصفحة 717 من 5287

الذين كانوا يفدون عليها، وأكثر الخروج إلى البادية ومشافهة الأعراب بها .. وربما استغرقت بعض جولاته سنوات يحج أثناءها ويلتقي بالفصحاء في المواسم، حتى جمع من الأشعار والنوادر والأخبار الشيء الكثير.

كان معاصرا لأبي عبيدة ـ معمر بن المثنى الشعوبي المشهور ـ منافسا له في اللغة والرواية. حدث الأصمعي عن نفسه فقال:

(حضرت أنا وأبو عبيدة عند الفضل بن الربيع، فقال لي: كم كتابك في الخيل؟ قلت: مجلد واحد، فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال: خمسون مجلدا .. فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك كل عضو منه وسمه، فقال أبو عبيدة: لست بيطارا، وإنما هذا شيء أخذته عن العرب، فقال لي الفضل: قم يا أصمعي وافعل أنت ذلك، فقمت وأمسكت ناصيته، وجعلت اسميه عضوا عضوا، وأنشد ما قالت العرب فيه إلى أن فرغت منه، فقال خذه، فأخذته ...

وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبته إليه) وهذه القصة تدل على قوة ذاكرة الأصمعي وعظيم إطلاعه ..

فكان لهذا أشهر علماء عصره ثقة في الرواية وتضلعا في اللغة .. ونقدا للشعر.

له من المصنفات ما جاوز الأربعين، أكثرها في اللغة، وأغلبها غير مطبوع، منها كتاب الأجناس، وكتاب الخيل، وكتاب النبات، وكتاب النوادر، وكتاب الأراجيز، وكتاب معاني الشعر.

وأخيرا لا آخر كتاب باسم (فحولة الشعراء) لم بطبع بعد مستقلا، وإنما ضمن بعض المحاضرات التي قام بطبعها مؤتمر للمستشرقين بأوربا، هذا الكتاب هو الذي يهمنا، ومن أجلها دار الحديث.

لم يحرره الأصمعي بنفسه وإنما رواه عنه تلميذه أبو حاتم السجستاني.

(فحولة) جمع (فحل) ، وهذا وصف للبعير الذي يتقدم القطيع، ومن استقراء الكتاب يتضح لنا أن الأصمعي يشترط في الشاعر الفحل أن يكون جاهليا أولا وقبل كل شيء ـ إذ حاتم يسأله عن بعض الشعراء الإسلاميين فيجيب: لو أدركوا الجاهلية لكانوا فحولا .. وهذا أول مظهر من مظاهر التعصب للقديم الذي سيكون له أثر بالغ في كثير من النقاد بعده ـ وأن تكون عبارته جزلة فخمة، بعيدة عن الهلهلة، فالحادث بن حلزة طبقا لهذا، فحل، أما خصمه عمرو بن كلثوم فلا، كما يجب أن تكون لغته عربية أصلية لم تمسها عجمة.

يسأل أبو حاتم أستاذه عن عدي بن زيد الذي راكز الحيرة وعايش الحضر، فيجيبه: أنه ليس فحلا ولا أنثى!! والسبب واضح .. ذلك أنه لم يعش في تربة عربية خالصة، فلم تسلم لغته من شوائب. كما أن الفحل يجب أن يكون من الكثيرين، فالذي لم يرو له إلا قصائد معدودات لا يعد فحلا (لو كان لفلان أكثر من أربعة قصائد لكان فحلا) ..

وهكذا يصدر الأصمعي أحكامه على الشعراء طبقا لهذا المنهج .. فيفضل من الإسلاميين من كان كلامه أشبه بكلام القدماء، فالراعي في رأي الأصمعي أشعر من ابن مقبل، لأن إنتاجه (أشبه بالشعر القديم) كما يتحدث عن بشار فيقول: لو أنه سبق عصره لعد من الفحول؟.

هذه مبادئ في النقد لا شك أنها بسيطة ساذجة لكنها في عصرها ذاك كانت تمثل بداية المحاولة، كما أنها ستكون لها نتائج خطيرة فيما بعد على النقاد، ولهذا يعتبر كتاب (فحولة الشعراء) للأصمعي الأساس الذي قامت عليه مدرسة النقد الأدبي عند العرب .. تلك المدرسة التي كان شعارها العام (التعصب للقديم) والتي كان لها أبلغ التأثير على (ابن قتيبة) من بعد في (الشعر والشعراء) .

كان التعصب للقديم المحور الذي تدور عليه هذه المدرسة النقدية، سبق إليه أبو عمرو بن العلاء.

الذي كان يقول عن شعر الفرزدق وجرير: (لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته) ويقول: (لو أدك الأخطل يوما واحدا من أيام الجاهلية ما قدمت عليه أحدا) ثم نشر لواءه وأرسى قواعده الأصمعي وابن الأعرابي .. هذا الأخير الذي نشد يوما شعرا لأبي تمام، فعلق عليه بقوله: إن كان شعرا فما قالته العرب باطل.

لو أن مناصرة الشعر القديم عند هؤلاء، كانت لأسباب فنية ذاتية فيه، كصدق الإحساس أو نبل الشعور أو قوة التأثير وجمال التعبير، لقينا أنه الذوق الخاص الذي له سلطانه الكبير على النقد والنقاد، ولكنهم ناصوره ـ بل تعصبوا له ـ فقط، لسبقه ولأنه عندهم قديم!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت