فهرس الكتاب

الصفحة 948 من 5287

والتجاني والتونس والعياشي والناصري والقادري والزبادي، فيصحح قول هذا ويزيف قول الآخر، فتراه مثلا يرجع قول العبدري على ما ورد في كتاب البكري بقوله: «لحصول المشاهدة له بخلاف البكري» ومن المعلوم أن الجغرافي الأندلسي وضع مؤلفه، ولم يرحل قط عن الجزيرة الأندلسية. ثم أن عبد سلام الناصري له ولوع خاص بالتنقيب عن الكتب والبحث عن الخزانات في كل بلد حل به، وقد ملأ رحلته بالمعلومات القيمة عن كتب مهمة وصفها وصفا شاملا.

وكان ابن عبد السلام هذا من علماء السلف أعداء البدع والضلالات وهو يتعرض للخرافات الشائعة عند العوام فيها يتعلق بقبور الأولياء والصالحين ويبطلها وقد قال «إن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة كزيارة الأولياء ونحوها اختلف العلماء فيها بالجواز وغيره، ومحل الخلاف ما لم تنبن عليه مفسدة دينية وإلا حرمت بلا نزاع»

ولم تخل هذه الرحلة بالضرورة من طابع العصر، فهي مليئة ـ زيادة على تراجم الرجال وإجازات العلماء ـ بكثير من المسائل العلمية من تفسير وحديث وفقه ونحو بمناسبة مذكرات جرت له، أو أسئلة ألقيت عليه، وأجاب عنها، إلا أن كل ذلك يصطبغ بصبغة الحياة والحرية في الفكر.

وابن عبد السلام الناصري هذا مؤلف كتاب عجيب في بابه، دل على صفاء إيمانه ودينه المتين، وصراحته التامة، وهو في انتقاد أحوال زاويتهم الشهيرة وقد سماه «المزايا فيما أحدث من البدع في أم الزوايا» وهو موجود بعدة خزانات.

وقد حج مرة ثانية سنة 1211 ووضع في أخبار حجته هذه، رحلة أخرى صغيرة لا تقل فائدتها عن الرحلة الكبير، وقد سافر من تمكروت إلى تافيلالت، ومنها إلى فاس، وخرج منها مع الركب المغربي، وقد كانت فاس جعلت مركزا لخروج سائر حجاج المغرب، فيقصدها أهل مراكش وأهل سوس وأهل درعة وسجلماسة وسائر نواحي المغرب، ويخيم الجميع برأس القليعة حتى يحين الوقت المعين لخروج الركب الرسمي فتتحرك هذه المدينة المتنقلة في نظام عجيب وعلى رأسها شيخ الركب المعين من قبل السلطان ويكون في الركب قاض لفصل ما عسى أن يحدث من خصومات المسافرين وكذلك أمام للصلوات الخمس.

وتنتهي هذه الرحلة الثانية بوصوله لمدينة فاس بعد الرجوع من الأقطار الحجازية، وقد توفي رحمه الله سنة 1239. وهو من إفذاذ المغاربة وأكابر العلماء والمفكرين، ولأكن من جاؤوا بعده، غمطوه حقه، وطمسوه ذكره، وطووا أخباره، وليس ذلك إلا لما كان يتحلى به الصراحة في القول، ومحاربة الخرافات والبدع غير خائف في الله لومة لاثم، ولا متلفت لأقوال المعارضين والجامدين.

ويفتتح القرن الثالث عشر رحالة لعب دورا هاما في تاريخ المغرب وهو أبو عبد الله محمد بن عثمان المكناسي الكاتب الوزير السفير إلى دول أوربا: اسبانيا والنمسا وايطاليا وإلى الخليفة العثماني باسطنبول وإلى الشريف سرور صاحب مكة، وقد ألف ثلاث رحلات عن مختلف أسفاره، بقى لنا منها اثنتان إحداهما تتعلق بسفارته إلى مملكة نابولي وإلى جزيرة مالطة واسمها «البدر السافر في افتكاك الاساري من يد العدو الكافر» والثانية تتعلق بأخبار سفارته إلى تركيا وإلى الحجاز عند الملك سرور وقد كان بانيا على الأمير بنت سيدي محمد بن عبد الله سلطان المغرب وهذه الرحلة تسمى إحراز المعلى والرقيب، وقد كنت نشرت بحثا عن الوزير ابن عثمان في مجلة المغرب الجديد والكلام على آثاره في الرحلات السفارية وقد توفي بمراكش في طاعون 1213.

وفي سنة 1211 سافرا أبو العباس أحمد بن محمد الفاسي مع الركب المغربي الذي سار فيه ابن عبد السلام الناصري كما قدمنا، ووضع في حجته هذه أيضا رحلة توجد منها نسخة في عدة مكاتب بالمغرب، وبخزانة البلدية بالإسكندرية، وبخزانة أحمد تيمور باشا رحمه الله، وهي من أمتع ما كتب في هذا الموضوع تمتاز بالتدقيق في إيراد المسافات بين المراحل بالساعات وبالاهتمام بكل الجزئيات التي وقعت له ولغيره أثناء السفر، وبأحوال البلاد الاجتماعية، فوصف عيد فيضان النيل بمصر حيث صادفه عند وصوله للقاهرة، وذكر أن أهل المشرق مولعان بشرب القهوة قائلا «بخلاف مغربنا في هذا الأوان فإنه عمت به البلوى أو كانت أن تعم بشرب أتاي وهو بأغلى ثمن في الغالب وقد جعل الناس كلهم يتكلفونه، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت