فهرس الكتاب

الصفحة 6025 من 21562

فقُلتُ بالرِّضا، ثمَّ أَسْخَطَني فَقُلْتُ بالسَّخَطِ. فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا ) ) . قَالَ أَبو عُبَيْد: كأَنّ (مَعْنَاهُ وَالله أَعلَمُ أَنَّه) يَبْلُغ من ثَنائِه أَنه (يَمْدَحُ الإِنسانَ فيَصْدُقُ فِيهِ حتّى يَصْرِفَ قُلُوبَ السَّامِعِين إِلَيْهِ) ، أَي إِلى قَوْله، (ويَذُمُّه فيَصْدُقُ فِيهِ حتَّى يَصْرِفَ قُلوبَهُم أَيضًا عَنهُ) إِلى قَولِه الآخَرِ. فكأَنه سَحَر السامعينَ بذالك. انْتهى.

قَالَ شَيْخُنَا: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ كَلاَمَ المُصَنِّف فِيهِ تَنَاقُضٌ، فَكَانَ الأَوْلَى فِي الأَولَى: حتَّى يَصرِفَ قُلوبَ السامِعِين إِليه. وَفِي الثَّانِيَة: حتّى يصرف قُلُوبَهُم عَنهُ، لاكن قَولَه أَيضًا يُحَقِّق أَنّ كُلاًّ مِنْهُمَا: حتَّى يَصْرِف قُلوبَ السَّامِعِين. والمُرَاد أَنه بفَصَاحَتِه يَصِير النَّاسُ يتَعَجَّبُون مِنْهُ مَدْحًا وذَمًّا، فتنصرف قُلُوب السامعين إِلَيْهِ فِي الحالَتَيْن، كَمَا قَالَه المصنّف. وَلَا اعْتِدادَ بذالك الزَّعْمِ. وهاذا الَّذِي قَالَه المُصَنِّف ظاهِرٌ وإِن كَانَ فِيهِ خَفاءٌ. انْتهى.

قُلتُ: لَفْظَة (أَيضًا) لَيست فِي نصّ أَبِي عُبَيْد، وإِنما زادَهَا المُصنِّف من عِنْده، وَالْمَفْهُوم مِنْهَا الاتّحاد فِي الصَّرْف، غير أَنّه فِي الأَوّل: إِليه، وَفِي الثَّانِي: عَنهُ إِلى قولِه الآخر والعبارة ظاهرةٌ لَا تناقُضَ فِيهَا، فتأَمَّل.

وَقَالَ بعضُ أَئِمَّة الغَرِيب، وَقيل إِنّ مَعْنَاهُ إِنَّ مِنَ البَيَانِ مَا يَكْتَسِب من الإِثْمِ مَا يَكتَسِبه الساحِرُ بسِحْرِه، فَيكون فِي مَعْرض الذَّمّ. وَبِه صَرَّحَ أَبو عُبَيْد البَكْريّ الأَنْدَلُسِيّ فِي شَرْح أَمثال أَبِي عُبَيْد القَاسِم بنِ سَلَّام، وصَحَّحَه غَيْرُ واحدٍ من العُلماءِ، ونَقَله السّيوطيّ فِي مرقاة الصُّعود، فأَقَرَّه، وَقَالَ: وَهُوَ ظَاهِرٌ صَنِيع أَبِي دَاوودَ.

قَالَ شيخُنَا: وَعِنْدِي أَنَّ الوَجْهَيْن فِيهِ ظَاهِرَانِ، كَمَا قَالَ الجَمَاهِيرُ من أَربابِ الغَرِيبِ وأَهْلِ الأَمثال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت