وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ فَقَال: لاَ يَفْسُدُ عَقْدٌ أَبَدًا إِلاَّ بِالْعَقْدِ نَفْسِهِ، وَلاَ يَفْسُدُ بِشَيْءٍ تَقَدَّمَهُ وَلاَ تَأَخَّرَهُ، وَلاَ بِتَوَهُّمٍ، وَلاَ تَفْسُدُ الْعُقُودُ بِأَنْ يُقَال: هَذِهِ ذَرِيعَةٌ، وَهَذِهِ نِيَّةُ سُوءٍ، أَلاَ تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى سَيْفًا، وَنَوَى بِشِرَائِهِ أَنْ يَقْتُل بِهِ، كَانَ الشِّرَاءُ حَلاَلًا، وَكَانَتْ نِيَّةُ الْقَتْل غَيْرَ جَائِزَةٍ، وَلَمْ يَبْطُل بِهَا الْبَيْعُ. قَال: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْبَائِعُ سَيْفًا مِنْ رَجُلٍ لاَ يَرَاهُ أَنَّهُ يَقْتُل بِهِ رَجُلًا كَانَ هَكَذَا (1) .
6 -وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُسَدُّ فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ قَلِيلًا أَوْ نَادِرًا. وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الذَّرِيعَةَ إِلَى الْفَسَادِ تُسَدُّ سَوَاءٌ قَصَدَ الْفَاعِل التَّوَصُّل بِهَا إِلَى الْفَسَادِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ.
7 -وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي اخْتُلِفَ فِيهِ فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ غَالِبًا، فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلاَفِ.
وَالْخِلاَفُ مِنْ ذَلِكَ جَارٍ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَدُّهُ مِنَ الذَّرَائِعِ، أَمَّا مَا جَاءَ النَّصُّ بِسَدِّهِ مِنْهَا فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ فَلاَ خِلاَفَ فِي الأَْخْذِ بِذَلِكَ، كَالنَّهْيِ عَنْ سَبِّ
(1) الأم للشافعي: كتاب إبطال الاستحسان من الأم 7 / 267 ط بولاق، وانظر أيضًا: الأم 4 / 41 و 3 / 43.