5189 - (حَدِيْثُ أُمِّ زَرْعٍ) : الصحيح أن المرفوع منه قوله لعائشة: «كنت لك كأبي زرع لأمِّ زرع» وقد رفعه كله للنبي صلى الله عليه وسلم سعيد بن مسلمة المديني، وهو وهمٌ عِنْدَ أئمة الْحَدِيْثِ.
(جَلَسَ إِحْدَى عَشَرَة امرَأَة) كذا رواه البخاري، ولبعض رواة مسلم: «جلسن» بالنون في آخره، والأحسن حذفها وإفراد الفعل، وتتخرج الثانية على لغة: «أَكَلُوْنِي الْبَرَاغِيْثُ» .
(قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٌّ) أي: شديد الهزال، ويجوز في «غث» الرفع وصفًا للحم، والجر وصفًا للجمل.
ج 3 ص 1044
(عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ) تصف قلَّة خيره وبعده مع القلة كالشيء في قلة الجبل الصعب.
(لا سَهْل) فيه ثلاثة أوجه: الفتح بلا تنوين، [ب: 172] والرفع، والجر مع التنوين، وإعرابها الرفع على خبر مبتدأ مضمر، أي: لا هو، والنصب على إعمال «لا» ، مع حذف الخبر، أي: لا سهل فيه، والجر على الصفة للجبل [1] .
(فيُرتَقَى) أي: يُطلع إليه تعني الجبل لحزونته ووعره.
(وَلاَ سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ) أي: لا ينقل أحد هذا الجمل لهزاله، ويقال: انتقلت الشيء أي: نقلته، ويروى: «فينتقى» ، أي ليس له نِقيٌّ يستخرج، والنِّقيُ: المخ، وصفته بالبخل وسوء الخلق، والترفع بنفسه تريد أنَّه مع قلة خيره متكبر على عشيرته، فيجمع إلى منع الرفد [2] سوء الخُلق، ويقرأ «سمين» بالرفع صفة للحم، وبالجر صفة للجمل.
(وقَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لاَ أَبُثُّ خَبَرَهُ) أي: لا أظهر حديثه، وروي بالنون في أوله وهما بمعنى، يقال: بث الحديث ونثَّه إلا أن النون أكثر ما تستعمل في الشر.
(إِنِّي أَخَافُ أَنْ لاَ أَذَرَهُ) أي: أترك حديثه، فالهاء عائدة على الخبر، أي: إنه لطوله وكثرته إن بدأته لم أقدر على تمامه، وإليه ذهب ابن السكيت، وقال غيره: الهاء عائدة على الزوج، وكأنها خشيت فراقه إن ذكرته، وتكون «لا» زائدة، و «أذره» بمعنى أفارقه.
ج 3 ص 1045
(اذكر عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ) أي: عيوبه الخفية، قال الأصمعي: وهذا يستعمل في المعايب، وقيل: أسراره.
(قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ) ويقال: بالطاء بدل القاف، قيل: الطويل المستكره الطول، وأرادت له منظر بلا مَخْبَر، والطول في الغالب دليل السفه، وقد عُلل ذلك ببعد الدماغ من القلب، وقيل: المقدام على ما يريد، الشرس، وعلى الأول فقيل: أرادت مدحه؛ لأن العرب تمدح الرجال بطول القامة، وقيل: ذمه، أي: ليس عنده أكثر من طوله بلا نفع.
(إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ) أي: إن ذكرت معايبه طلَّقني.
(وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ) أي: يتركني معلقة كمن لا زوج لها، قال تعالى: {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129] وقيل: يحتمل من علاقة الحب، ولذلك كرهت النطق لئلا تُفَارق.
(قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لاَ حَرٌّ وَلاَ قُرٌّ) بضم القاف أي: ولا برد، وقال صاحب «تثقيف اللسان» : يقال: اليوم قَر بفتح القاف وضمها خطأ إنَّما القر البرد بعينه.
(وَلاَ مخَافَةَ، وَلاَ سَآمَةَ) الملال، وروي: «ولا وخامة» ، أي: لا يُقِل، مرعى وخيم: لا تنجع عليه ماشية.
ويجوز في «لا حرّ ولا قرّ» وما بعدهما الفتح على أنَّها مبنية مع «لا» والخبر محذوف، أي: لا حرَّ فيها، وكذا ما بعده، ويجوز الرفع، قال أبو البقاء: وكأنَّه أشبه بالمعنى، أي: ليس فيها حرٌّ فهو اسم ليس وخبرها محذوف، ويقوي الرفع ما فيه من التكرير.
وصفته بالاعتدال بحسن صحبتها وجميل عشيرتها واعتدال حاله وسلامة باطنه، وضربت المثل بما ذكرته أي: ليس عنده مكروه ولا أذى؛ لأن الحر والبرد
ج 3 ص 1046
كلاهما فيه أذى إذا اشتد، وتهامة من بلاد الحجاز مكة وما ولاها بلاد حارة راكدة الريح، وبه سميت تهامة، كما قال ابن دريد، قال: والتهم الحر وركود الريح.
(قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ) بكسر الهاء وفتح الدال فعل ماضٍ [3] ، أي: نام وغفل عن معايب البيت التي يلزمني إصلاحها، والفهد يوصف بكثرة النوم، فهي تصفه بالكرم وحسن الخلق فكأنه نائم عن ذلك أو ساهٍ، وإنَّما هو متناوم ومتغافل، وهذه الخصلة من مكارم الأخلاق.
وقد قيل: العاقل الفطن المتغافل، وفهِد فعِل مشتق من الفهد لاتِّصافه بوصفه وكذا ما بعده، ويحتمل أنَّه هنا اسم ويكون خبرُ المبتدأ مضمرًا، أي: فهو فهد كقوله: «الحمو الموت» .
(وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ) بكسر السين وفتح الدال فعل ماض، أي: فعل فعل الأسد، تمدحه بالشجاعة، يقال: أسد واستأسد إذا اجترأ.
(وَلاَ يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) أي: عما رأى في البيت وعرف من مطعم ومشرب، وصفته بأنه كريم الطبع نزيه الهمة، حَسَن العشرة، لين الجانب في بيته، ليس يتفقد ما ذهب من ماله ولا يسأل عنه لسخاوة نفسه وسعة قلبه.
(قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ) أي: أكثر وخلَّط، وروي: «رفَّ» بالراء، وروي: «اقتفَّ» وهو بمعناه، وبه سميت القُفَّة لجمعها ما جُعل فيها.
(وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ) بالشين المعجمة، أي: استقصى جميع ما في الإناء، مأخوذ من الشفافة وهي البقية تبقى في الإناء، فإذا شربها قيل: اشتفَّها، وهو وصف ذم، وروي بالسين المهملة، وهو معنى الأول.
ج 3 ص 1047
(وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ) أي: في ثيابه، ورقد ناحية ولم يباشرها.
(وَلاَ يُولِجُ الْكَفَّ) أي يدخل يده.
(لِيَعْلَمَ الْبَثَّ) أي: الحزن، فيعلم ما أهتم به ويُحزنني أمره، وصفَته أولًا بالبخل واللؤم والمهانة وسوء المعاشرة وأنه لا يبقي مما يأكل ويشرب ولا يذر، ثم وصفته بقلَّة الاشتغال بها وتعطيلها ولا يضاجعها.
واختُلف في معنى «لا يولج» ، فقال أبو عبيدة [4] : إنه كان بجسدها عيب أو داء يحزنها فكان لا يدخل يده في ثوبها للمس ذلك العيب فيشق عليها، وإن هذه خصلة مدحته بها.
وخالفه الجمهور، وقالوا: إنَّما شكت هذه الخصلة من زوجها وذمَّته بذلك واستقصرت حظَّها منه وأنه لا يدنو منها، وإنَّما أرادت لا يدخل يده إليها ويباشرها ويلمسها فيعلم بثها بذلك ومحبتها له وحزنها لعدم ذلك منه وقلة تفقده لحاجته منها.
(قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي عَيَايَاءُ) بالعين المهملة ممدود، وهو في الإبل الذي لا يحسن الضِّراب ولا يلقح، فكأنه غني عن ذلك، ومرادها أنَّه عنين.
(أو غَيَايَاءُ) بالمعجمة، أي: كأنه في غيابه أبدًا، أو ظلمة لا يهتدي لصواب، وهذا شك وقع من بعض الرواة، وقد أنكر أبو عبيد وغيره الغين المعجمة.
(طَبَاقَاءُ) ممدود: الأحمق الذي تنطبق عليه الأمور، وقال ابن فارس: هو من الرجال العيي، ومن الإبل الذي لا يحسن الضراب وجعله مثل عياياء، فعلى هذا التكرار لاختلاف اللفظ مثل بُعدًا وسُحقًا.
(كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَوَاء) أي: كل ما تفرَّق في الناس من الأدواء والمصائب اجتمع فيه.
(شَجَّكِ) أي: أصابك بشجة وهو بكسر الكاف وكذا الذي بعده؛ لأن الخطاب لمؤنث.
ج 3 ص 1048
(أَو فَلَّكِ) أي: أصاب شيئًا من بدنك، والشج في الرأس خاصة، والفلُّ في سائر الجسد، مأخوذ من فُلَّ السيفُ فلولًا إذا انثلم، وقيل: كسرك بخصومته وشره، وقيل: ذهب بمالك، يقال: فلَّ القوم فانفلُّوا. [ب: 173]
(أَوْ جَمَعَ كُلاًّ لَكِ) تقول: إنها معه بين شجِّ رأسٍ وكسر عضوٍ أو جمع بينهما، وصفَتْه بالحمق والتناهي في جميع النقائص والعيوب وسوء العشرة مع الأهل وعجزه عن مضاجعتها مع ضربه وأذاه إياها، وأنه إذا حدثته سبَّها أو مازحته شجها.
(قالت الثامنة: زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ) ناعم الجسد، ويحتمل أن تريد حُسن الخلق ولين الجانب كمس ظهر الأرنب.
(وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ) نبت طيب الريح، ويحتمل أن يريد طيب ريح جسده أو طيب الثناء في الناس، وفي المس والريح ضمير مجرور محذوف، أي: منه، إذ لا بد من رابط كقولهم: السمن مَنَوان بدرهم، أي: منه، هذا إذا لم تقل: إن «أل» نائبة عن الضمير.
(قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ) قيل: هو حقيقة في البيوت والقباب في أبنية الأشراف من أهل البدو، ومن طول أعمدتهم للطارق والسائل، وقيل: مجاز تريد: الشرف وثناء الذكر.
(طَوِيل النِّجَاد) بكسر النون حمائل السيف، تريد: أنَّه طويل القامة فإنها إذا طالت طال نجاده، وهي من أحسن الكنايات.
(عَظِيْمُ الرَّمَادِ) تصفه بإطعام الضيف، لأنَّه إذا كثر ذلك منه كثُر رماده، أو أن ناره لا تطفأ ليلًا وتوقد لتهدي الأضياف إليها.
(قَرِيبُ البَيْتِ مِنَ النَّاد) أي: من الموضع الذي يجتمع فيه العرب ليشتوروا فيه، تريد قرب بيته من الأحباب وأنه لا يبعد عنهم ليستخفي
ج 3 ص 1049
بين ظهراني الناس.
(قالت العاشرة: زَوجِي مَالِكٌ ومَا مَالِكٌ) «ما» استفهامية بمعنى التعظيم مبتدأ، و «مالك» خبره، تريد تعظيمه.
(مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِك) زيادة في الإعظام وتفسير لبعض الإبهام، وأنه خير مما أشير إليه من ثناء وطيب ذكر، ومالك مبتدأ وما بعده خبر.
(لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ) أي: لاستعداده للضيفان لا يوجِّهُهُن للرعي بل يتركهنَّ بفنائه.
(قَلِيلاَتُ الْمَسَارِحِ) وهي المراعي البعيدة، جمع مسرح.
(وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ) بكسر الميم: عُود الغناء، تعني: أنَّه كان يتلقى الأضياف بالغناء مبالغة في الفرح، أو يأتيهم بالشراب والغناء.
(أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ) لعقرهن للضيفان.
(قَالَتِ الْحَادِيَة عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ فَمَا أَبُو زَرْعٍ) «ما» استفهامية بمعنى التعظيم، مبتدأ وما بعده خبر، ونظيره: {الحَاقَّةُ مَا الحَاقَّة} [الحاقة: 1 - 2] .
(أَنَاسَ) بالسين المهملة، أي: حرَّك.
(مِنْ حُلِيٍّ) بضم الحاء وكسرها، وبهما قرئ في السبع.
(أُذُنَيَّ) بضم الذال وإسكانها، وبهما قُرئ في السبع، تريد أنَّه حلاها قِرطة وشُنُوفًا تتزين بأذنيها.
(وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ) لم ترد العضدين خاصة؛ وإنَّما قصدت سمنها وامتلاء سائر جسدها وآثرتهما لسجع الكلام، أو لأنهن إذا سمنَّ سمنَ جميع الجسد.
(وَبَجَّحَنِي) بتقديم الجيم على الحاء مفتوحات وتشديد الجيم وتخفيفها، أي:
ج 3 ص 1050
فرَّحني، وقيل: عظَّمني.
(فَبَجَحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي) أي: ترفعت وعظمت، وهو بفتحتين وتاؤها ساكنة للفرق والفاعل نفسي، وروي: «فبجُحْتُ» بضم الجيم والباء وسكون الحاء، و «إلى» ساكنة حرف جر، «نفسي» مجرورة، أي: عظُمتُ عند نفسي.
(وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ) تصغير غنم، وأنث لتأنيث الجماعة، أي: أن أهلها كانوا أصحاب غنم ليسوا ذوي خيل ولا إبل، والعرب لا تعتد بأصحاب الغنم؛ بل بأصحاب الخيل والإبل.
(بِشِقٍّ) المعروف في الرواية كسر الشين، وعند أهل اللغة فتحها، قال أبو عبيد: هو بالفتح، والمحدثون يكسرونه، قال: وهو موضع، قال الهروي: الصواب بالفتح.
وقال ابن الأنباري: يجوز الوجهان، وهو موضع، وقيل: هو شِقُّ جبل، أي: غنمهم قليلة.
وقال نفطويه: أي: بمشقة وشظف من العيش، ورجحه عياض.
(فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ) أصوات الخيل.
(وَأَطِيْط) أصوات الإبل.
(وَدَائِسٍ) اسم فاعل من داس الطعام يدوسه دياسة، أي: دقَّه ليخرج الحب من السنبل [5] .
(وَمُنَقٍّ) بضم الميم وفتح النون في المشهور الذي يَنقُّ الطعام، أي: يخرجه من قشره، تريد أنهم أصحاب زرع يدوسونه إذا حصد وينقُّونه مما يخالطه، وقال أبو عبيدة: رواه أصحاب الحديث بكسر النون، ولا أعرفه، وقال
ج 3 ص 1051
غيره: إن صحت الرواية فتكون من النقيق الصوت، يريد أصوات المواشي والأنعام تصفه بكثرة الأموال [6] .
وقيل: بإسكان النون، أي: أنعام ذات نَقْي، أي: سمان، والأول: أشبه؛ لاقترانه بالدائس، وهما مختصَّان بالطعام.
(أَقُولُ فَلاَ أُقَبَّحُ) أي: يقبِّح عليَّ قولي.
(وَأَنَامُ فَأَتَصَبَّحُ) أي: أنام الصبحة، وهي نوم أول النهار.
(وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ) بالقاف ثم النون، أي: فأروى، وعن أبي زيد: التقنُّح أن يشرب فوق الري، قال البخاري في حاشية الكتاب: وقال بعضهم: أتقمَّح بالميم وهو فيه متابع لأبي عبيد فإنه قال: لا أعرف هذا ولا أراه محفوظًا إلا بالميم، ومعناه: أروى حتى أدع الشراب من شدة الري من قوله تعالى: {فَهُمْ مُقْمَحُونَ} [يس: 8] أي: لا يستطيعون الشُّرب، وكانت في قوم عندهم قلة الماء، وقال غيره: النون والميم صحيحان، والنون والميم متعاقبتان كامتقع لونه وانتقع لونه.
(أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ) فيه التعظيم بالمعنى السابق.
(عُكُومُها رَدَاح) أي: غرائرها وأعدالها عظام، وواحد العُكوم عِكم كجلد وجلود ورداح، قيل: لا يجوز أن يكون خبرًا لعكومها لأنَّه مفرد بل هو خبر لمبتدأ مضمر، أي: كل عكم [7] منها رداح.
قلت: يجوز أن يكون خبرًا؛ لأنَّه مصدر كالذهاب والطلاق، أو يكون على طريق التشبيه كقوله تعالى:
ج 3 ص 1052
{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: 18] أي: ذات انفطار.
(وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ) بفتح الفاء، أي: واسع كبير.
(ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ كَمَسَلِّ) على زون محل وسينُه مهملة.
(شَطْبَةٍ) بفتح الشين [المعجمة] [8] وإسكان الطاء المهملة: السَّعَفَة من سعف النخل، أرادت أنَّه ضرب الجسم، أي: موضع نومه دقيق لنحافته وهو مما يمدح به الرجل.
وقيل: أرادت سيفًا سُلَّ من غمد، والمَسَلُّ مصدر بمعنى السل أقيم مقام المفعول، أي: كمسلول.
(وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ) وصفته بقلة الأكل، وهو مما يمدح به الرجل، والجفرة الأنثى من أولاد المعز [9] ، والذكر جفر.
(بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا) وصفتها ببر الوالدين.
(ومِلءُ كِسائِها) [ب: 174] وصفتها بالسمن.
(وَغَيْظُ جَارَتِهَا) أي: ضرَّتها، أرادت أن ضرتها ترى من حسنها ما يغيظها، وفي هذه الألفاظ دليل لسيبويه في إجازته: فمررت برجلٍ حسنٍ وجهه، خلافًا للمبرِّد والزَّجَّاج.
(جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ لاَ تَبُثُّ حَدِيثَنَا بثِيثًا) يروى بالموحدة ثم المثلثة في الفعل والمصدر من البثِّ، أي: تكتمه ولا تشيعه، ويروى: «تنث» بالنون بمعناه، يقال: نثَّ الحديث: أفشاه.
ج 3 ص 1053
(وَلاَ تَنقِثُ) بكسر القاف بعدها ثاء مثلثة، أي: تفسد، قال أبو البقاء: القياس تُنقِّث بالتشديد؛ لأن المصدر قد جاء على التفعيل فهو مثل تُكسِّر تَكسِيرًا.
(مِيرَتَنَا) بكسر الميم: الطعام المجلوب.
(تَنْقِيثًا) تصفها بالأمانة.
(ولاَ تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا) بالعين المهملة، من عش الخمير إذا فسد، تريد أنَّها تحسن الطعام المخبوز وتتعهده بأن تطعم أولًا فأولًا طريًا، ولا تُغفِل أمره فيلزج ويفسد.
وقيل: لا تخوننا في طعامنا فتخبئ منه ههنا وههنا كالطيور إذا عششت في مواضع شتى.
وقيل: لا تملأ بيتنا بالمزابل كأنه عش طائر.
وقيل: لا تتبع [10] أخبار الناس فتأتينا بها.
وقال البخاري في رواية القابسي [11] : وقال سعيد بن سلمة عن هشام: «ولا تغشُّ بيتنا تغشيشًا» بالغين المعجمة يعني: من الغِشِّ والخيانة، وقيل: هو النميمة.
(قالت: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ) أزقاق اللبن واحدها وَطَبَ، والأوطاب من نادر جمعها، والمشهور وُطاب في الكثرة وأوطُب في القلة.
(تُمْخَضُ) أي: تحرك حتى يخرج زبدها ويبقى المخيض.
(فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا) بفتح الخاء.
(بِرُمَّانَتَيْنِ) قيل: عنت بالرمانتين ثدييها، وقال أبو عبيد: إنَّما معناه أنَّها ذات كفل عظيم، فإذا استلقت نتأ الكفل بها من الأرض حتى تصير تحت خصرها فجوة يجري فيها الرمان.
(فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ سَرِيًّا) بالسين المهملة، أي: مِن سراة الناس، أي: خيارهم.
ج 3 ص 1054
(رَكِبَ شَرِيًّا) بالمعجمة تعني فرسًا يستشري [في سَيْره أي يلج ويمضي بلا فتور ولا انكسار، يقال: شرى في الأمر واستشرى] إذا لَجَّ فيه.
(وَأَخَذَ خَطِّيًّا) بفتح الخاء، أي: رمحًا، والرمح الخطي منسوب إلى موضع يقال له: الخط بناحية البحرين.
(وَأَرَاحَ) أي: أتى بعد الزوال.
(عَلَيَّ نَعَمًا) بفتح النون في الأشهر أنواع الماشية، ويروى بكسرها جمع نعمة.
(ثَرِيًّا) إبلًا كثيرة، وحقه أن يقول: ثرية، ولكن وجهه أن كل ما ليس بحقيقي التأنيث لك فيه وجهان في إظهار علامة تأنيثه في الفعل واسم الفاعل والصفة أو تركها.
(وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ) مما يراح عليه من أصناف المال الآتية وقت الرواح، وهي آخر النهار، وروي: «ذابحة» بالذال المعجمة والباء، وروي: «من كل سائمة» .
(زَوْجًا) أي: اثنين، ويقال للواحد إذا كان معه آخر: زوج، تصف كثرة ما أعطاها مما يروح إلى منزله من إبل وبقر وغنم وعبيد ودواب، وأنه أعطاها أصنافًا من ذلك، ولم يقتصر على المفرد من ذلك حتى ثنَّاه وضعَّفه إحسانًا إليها.
(وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ) نصب على النداء؛ أي: يا أم زرع.
(وَمِيرِي أَهْلَكِ) من الميرة، وقد سبق.
(قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ) ثناء على أبي
ج 3 ص 1055
زرع وإعطاء كل شخص [12] منزلته.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ) أي: أنا لك كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [أُخْرِجَتْ] [13] } [آل عمران: 110] ويمكن على ظاهره، أي: كنت لك في علم الله تعالى، وأراد به الدوام، [قاله] [13] تطييبًا لقلبها ومبالغة في حسن معاشرتها إذ لم يكن في أ حواله ما يُكره سوى طلاقه لها، وقد ورد استثناؤه: «غير أني لا أطلِّقك» ، رواه [14] الترمذي.
قال القاضي: وقد ورد في رواية أبي معاوية الضرير ما دلَّ [على] [13] أنَّ الطلاق لم يكن من قبل أبي زرع واختياره قال: فإنه لم تزل به أم زرع حتى طلَّقها، وفي رواية قالت عائشة: «بأبي أنت وأمي، بل أنت خيرٌ لي من أبي زرع» ، جواب مثلها في فضلها وعلمها، فإنه صلى الله عليه وسلم لما أخبرها بكمال منزلتها عنده أخبرته هي أنَّه عندها أفضل وأحب [15] .
[1] في [ب] : للخيل.
[2] في [ب] : الرفد.
[3] وقع في هامش الأصل تعليق وهو: في بعض النسخ الصحيحة بعد قوله ماض قوله ( ... ) وهذه الخصلة ( ... ) المتغافل ( ... ) ، ولعل ( ... ) .
[4] قال ابن حجر رحمه الله: صوابه أبو عبيد كذا هو في «غريبه» .
[5] في [ب] : السيل.
[6] في [ب] : أموال.
[7] في [ب] : عظم.
[8] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[9] في [ب] : ولد.
[10] في (ب) زيادة: (إلى) .
[11] قال ابن حجر رحمه الله: قوله: «في رواية القابسي» عجيب فإنه في رواية غيره.
[12] في [ب] : شيء.
[13] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[14] بياض في الأصل بعد هذه الكلمة بمقدار كلمتين أو ثلاثة.
[15] في (ب) زيادة: (هي) .