فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 905

س:ما حكم الدين فيما نقرأه في بعض الكتب الدينية من عبارات على لسان الصوفية: كمدح الخمر والوصال والعشق ؟

تحدث الإمام الغزالي في كتابه: (إحياء علوم الدين) عن هذا الكلام، وعبر عنه بالشطح، وقال: إنه يعني: صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية.

أحدهما: الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله، والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤيا والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا: كذا، وقلنا: كذا، ويتشبهون فيه بالحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس، ويستشهدون بقوله: (أنا الحق) وبما حكي عن البسطامي أنه قال: سبحاني سبحاني.

وهذا فن من الكلام عظيم برره في العوام، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى.

فإن هذا الكلام يستلذ بالطبع، إذا فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات، والأحوال.

فلا تعجز الأغنياء عن دعوى ذلك لأنفسهم، ولا عن تلقف كلمات مزخرفة، ومهما أنكر عليهم ذلك، لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكارا مصدره العلم والجدل، والعلم حجاب والجدل عمل النفس.

وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق فهذا، ومثله مما قد استطار في البلاد شرره، وعظمت العوام ضرره، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة.

وأما أبو يزيد البسطامي ـ رحمه الله ـ فلا يصح عنه ما يحكى، وإن سمع ذلك منه، فلعله كان يحيكه عن الله (عز وجل) في كلام يردده في نفسه، كما لو سمع وهو يقول: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.

والصنف الثاني من الشطح: كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة، وفيها عبارات هائلة، وليس وراءها طائل، وذلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله، بقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه، وهذا هو الأكثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت