قال: والعويص في الحروف المعتلّة، وهي أربعة أحرف: الهمزة والألف اللينة والياء والواو. فأما الهمزة فلا هجاءَ لها، إنما تكتب مرّةً ألفًا ومرّة واوًا ومرّة ياء. فأما الألف اللينة فلا صَرْف لها، إنما هي جَرْس مدةٍ بعد فتحة، فإذا وقعت عليها صروف الحركات ضَعُفت عن احتمالها واستنامت إلى الهمزة أو الياء أو الواو، كقولك عصابة
وعصائب، كاهل وكواهل، سِعلاة وثلاث سعليات فيمن يجمع بالتاء. فالهمزة التي في العصائب هي الالف التي في العصابة، والواو التي في الكواهب هي الألف التي في الكاهل جاءت خَلَفًا منها، والياء التي في السِّعلَيات خلفٌ من الألف التي في السعلاة، ونحو ذلك كثير. فالألف اللينة هي أضعف الحروف المعتلة، والهمزة أقواها متنًا، ومخرجها من أقصى الحلق من عند العين.
قال: والياء والواو والألف اللينة مَنُوطات بها، ومدارج أصواتها مختلفة، فمدرجة الألف شاخصة نحو الغار الأعلى، ومدرجة الياء مختفضة نحو الأضراس، ومدرجة الواو مستمرة بين الشفتين، وأصلهنّ من عند الهمزة. ألا ترى أن بعض العرب إذا وقف عندهنّ همزهن، كقولك للمرأة افعلىءْ وتسكت، وللاثنين افعلأْ وتسكت، وللقوم افعلُؤْ وتسكت، فإنّما يُهمزَن في تلك اللغة لأنهنّ إذا وُقِف عندهن انقطع أنفاسهن فرَجعْن إلى أصل مبتدئهن من عند الهمزة. فهذه حال الألف اللينة، والواو الساكنة بعد الضمة، والياء الساكنة بعد الكسرة، والألف اللينة بعد الفتحة. وهؤلاء في مجرى واحد.
والواو والياء إذا جاءتا بعد فتحة قويتا، وكذا إذا تحركتا كانتا أقوى. ومن تِبيان ذلك أن الألف اللينة والياء بعد الكسرة والواو بعد الضمة إذا لقيهنّ حرف ساكن بعدهن سقطن، كقولك عبد اللََّه ذو العمامة، كأنك قلت ذُلْ. وتقول رأيت ذا العمامة، كأنك قلت ذَلْ. وتقول مررتُ بذي العمامة، كأنك قلت ذِلْ. ونحو ذلك كذلك في الكلام أجمع.
والياء والواو بعد الفتحة إذا سكنتا ولقيهما ساكن بعدهما فإنّهما يتحركان ولا يسقطان أبدًا، كقولك لو انطلقت: يا فلان، وقولك للمرأة: اخشَي اللََّه، وللقوم:
اخْشَوُا اللََّه. وإذا وقفت قلت: اخشَوْا واخشَي.
فإذا التقت الياء والواو في موضع واحد وكانت الأولى منهما ساكنة فإن الواو تدغم في الياء إن كانت قبلها أو بعدها في الكلام كلِّه، نحو: الطيّ من طوَيت، الواو قبل الياء ونحو الحيّ من الحيوان، الياء قبل الواو.
قال: والحروف المعتلة تختلف حالتها فتجري على مجارٍ شتى. من ذلك الألف اللينة إذا مدّت صارت مدّتها همزة ملتزقة بها من خلفها كقولك هذه لاءٌ مكتوبة، وهذه ماءٌ ماءُ الصلة لا ماءُ المجازاة. ونحو ذلك من الحروف المصوّرة إذا وقعت مواقع الأسماء مدّت كما تمدّ حروف الهجاء إذا نسبَت أو وُصفت لأنهنّ يصرن أسماءً لأنَّ الاسم مبنيٌّ على ثلاثة أحرف، وهذه الحروف مَثْنَى مثنى مثل لو، ومَن، وعَن. فإذا
صيرتَ واحدًا منها اسمًا قوّيته بحرفٍ ثالث مُخرجٍ من حرفٍ ثان كقوله: