وإذا يبست الأرض ولم تُمطَر قيل: قد خشعت. قال اللََّه تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هََامِدَةً فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا الْمََاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}
[الحَجّ: 5] . سمعتُ العربَ تقول: رأيت أرض بني فلانٍ خاشعةً هامدة ما فيها خضراء. وخشَعَ سَنامُ البعير، إذا أُنضِيَ
فذهب شحمُه وتطأطأ شرفُه. وجِدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض.
وقال النابغة:
ونُؤيٌ كجِذم الحوضِ أثلم خاشعُ
قال الليث: خشع الرجل يخشَع خشوعًا، إذا رمَى ببصره إلى الأرض. واختَشَع، إذا طأطأ صدره وتواضع. قال: والخُشُوع قريبٌ من الخضوع، إلّا أن الخضوع في البدن والإقرار بالاستخداء، والخشوع في البدن والصَّوت والبصر. قال اللََّه:
{وَخَشَعَتِ الْأَصْوََاتُ لِلرَّحْمََنِ} [طه: 108] :
وقال ابنُ دَريد: خشَع الرجل خَراشيَّ صدرِه، إذا رمَى بها.
قلت: جعل خشَع واقعًا، ولم أسمعه لغيره.
باب الخاء والعين مع الضاد
استعمل من وجوهه:
خضع:
قال اللََّه جلّ وعزّ: {فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ} [الشُّعَرَاء: 4] . أخبرني المنذري عن أبي جعفر الغسّاني عن سَلَمة عن أبي عبيدة، أن يونس أخبره عن أبي عمرو أنه قال: {خََاضِعِينَ} ليس من صفة الأعناق، إنما هو من صفة الكناية عن القوم الذين في آخر الأعناق، فكأنه في التمثيل: فظلَّت أعناق القوم خاضعين، فالقومُ في موضع هم.
وقال الكسائيّ: أراد فظلت أعناقُهم خاضِعِيها هم، كما تقول: يدُك باسطها، تريد أنت، فاكتفيتَ بما ابتدأتَ من الاسم أن تكُرَّه.
قلت: وهذا غير ما قال أبو عمرو.
وقال الفراء: الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون. فجعلَ الفعلَ أوّلًا للأعناق ثم جعل خاضعين للرجال. قال: وهذا كما تقول: خضعت لك، فتكتفي من قولك خضعَتْ لك رقبتي.
وقال أبو إسحاق: قال خاضعين وذكّر الأعناق، لأن معنى خضوع الأعناق هو خضوع أصحاب الأعناق، لمَّا لم يكن الخضوع إلّا بخضوع الأعناق جاز أن يخبر عن المضاف إليه، كما قال الشاعر:
رأت مَرَّ السِّنينَ أخذْنَ منّي
كما أخذَ السِّرارُ من الهلالِ
لمّا كانت السنون لا تكون إلا بمرّ أخبر عن السنين وإن كان أضافَ إليها المرور.
قال: وذكر بعضُهم وجهًا آخر، قالوا:
معناه فظلت أعناقهم لها خاضعين هم، وأضمر «هُمْ» وأنشد:
ترى أرباقَهم متقلِّدِيها
كما صَدِىء الحديدُ على الكُماةِ
قال: وهذا لا يجوز مثلُه في القرآن. فهذا على بدلِ الغلَط يجوز في الشعر، كأنه قال ترى أرباقهم ترى متقلّديها، كأنه قال:
ترى قومًا متقلّدي أرباقهم.
وقلت: وهذا الذي قاله الزجاج مذهب الخليل. ومذهب سيبويه أنّ بدل الغلط لا يجوز في كتاب اللََّه عزّ وجلّ.
قلت: وخضَع في كلام العرب يكون لازمًا وواقعًا، تقول خضعتُه فخضَع ومنه قول جرير:
أعدّ اللََّه للشعراء منّي
صواعقَ يَخضَعون لها الرقابا
فجعله واقعًا متعديًا. ويقال خضع الرجلُ رقبتَه فاختضعَتْ وخضَعت.