وأمّا ما وجدته فيه صحيحا، ولغير الليث من الثقات محفوظا، أو من فصحاء العرب مسموعا، ومن الريبة والشك لشهرته وقلة إشكاله بعيدا، فإني أعزيه إلى الليث بن المظفر، وأؤديه بلفظه، ولعلي قد حفظته لغيره في عدة كتب فلم أشتغل بالفحص عنه لمعرفتي بصحته، فلا تشكن فيه من أجل أنه زل في حروف معدودة هي قليلة في جنب الكثير الذي جاء به صحيحا، وأحمدني على نفي الشبه عنك فيما صححته له، كما تحمدني على التنبيه فيما وقع في كتابه من جهته أو جهة غيره ممن زاد ما ليس منه. ومتى ما رأيتني ذكرت من كتابه حرفا وقلت إني لم أجده لغيره فاعلم أنه مريب، وكن منه على حذر وافحص عنه، فإن وجدته لإمام من الثقات الذين ذكرتهم في الطبقات فقد زالت الشبه، وإلا وقفت فيه إلى أن يضح أمره».
لا يعرف قدر هذا الكتاب حق المعرفة إلا من نظر فيه طويلا، وتتبع منهجه الوثيق في تفسير اللغة، والأمانة الصادقة التي كان يستشعرها وهو يصنع كتابه.
يقول فيه السيوطي: «وكان عارفا بالحديث، عالي بالإسناد، ثخين الورع» .
ومما يجدر ذكره هنا أن الأزهري ألفه بعد بلوغه السبعين من عمره كما يفهم من المقدمة (ص: 7) أي في نحو سنة 352هـ.
وفضلا عن القدر الهائل من المادة اللغوية التي يحويها محاولا بها تفسير ألفاظ القرآن الكريم والحديث النبوي وأشعار العرب وأمثالها، نجد له خاصة ظاهرة، هي عنايته بالناحية البلدانية التي استوعب بها التعريف بالكثير من بلدان الجزيرة العربية، وهو اتجاه مبكر على نطاق واسع في التأليف المعجمي، بلغ ذروته فيما بعد، فيما صنع الفيروزآبادي في معجمه «القاموس المحيط» .
وكذا عنايته الخاصة بشرح الأحاديث النبوية التي فاتت أبا عبيد، والقتيبي، والخطابي.
ويكفي أن نذكر أن صاحب «لسان العرب» اعتمد عليه اعتمادا كاملا، وجعله في قمة مصادره. وأستطيع أن أقول إن صاحب «اللسان» قد أفرغ معظم الكتاب في تضاعيف معجمه، فندر أن تجد نصا للأزهري لم ينقله ابن منظور. وفي ذلك يقول صاحب «اللسان» في مقدمته:
«ولم أجد في كتب اللغة أجمل من «تهذيب اللغة» لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، ولا أكمل من «المحكم» لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده الأندلسي
رحمهما اللََّه، وهما من أمهات اللغة على التحقيق، وما عداهما بالنسبة إليهما ثنيات الطريق. غير أن لكلا منهما مطلب عسر المهلك، ومنهل وعر المسلك وكأن واضعه شرع للناس موردا عذبا وحلأهم عنه، وارتاد لهم مربعا ومنعهم منه، قد أخر وقدم، وقصد أن يعرب فأعجم، فرّق الذهن بين الثنائي والمضاعف والمقلوب وبدد الفكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي فضاع المطلوب، فأهمل الناس أمرهما، وانصرفوا عنهما، وكادت البلاد لعدم الإقبال عليهما أن تخلو منهما، وليس لذلك سبب إلا سوء الترتيب، وتخليط التفصيل والتبويب. ورأيت أبا نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قد أحسن ترتيب (مختصره) ، وشهره بسهولة وضعه شهرة أبي دلف بين باديه، ومحتضره، فخف على الناس أمره فتناولوه، وقرب عليهم مأخذه فتداولوه وتناقلوه، غير أنه في جو اللغة كالذرّة، وفي بحرها كالقطرة، وإن كان في نحرها كالدرّة. وهو مع ذلك قد صحف وحرف، وجزف فيما صرّف، فأتيح له الشيخ أبو محمد بن بري فتتبع ما فيه، وأملى عليه أماليه، مخرجا لسقطاته، مؤرخا لغلطاته، فاستخرت اللََّه سبحانه وتعالى في جمع هذا الكتاب المبارك، الذي لا يساهم في سعة فضله ولا يشارك، ولم أخرج عما في (هذه الأصول) ، ورتبته ترتيب «الصحاح» في الأبواب والفصول. وقصدت توشيحه بجليل الأخبار، وجميل الآثار، مضافا إلى ما فيه من آيات القرآن الكريم، والكلام على معجزات الذكر الحكيم، ليتحلى بترصيع دررها عقده، ويكون على مدار الآيات والأخبار والآثار والأمثال والأشعار حله وعقده فرأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري قد جاء في ذلك ب «النهاية» ، وجاوز في الجودة حد الغاية، غير أنه لم يضع الكلمات في محلها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها، فوضعت كلا منها في مكانه، وأظهرته مع برهانه».