فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 971

«ولم أجد في كتب اللغة أجمل من «تهذيب اللغة» لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، ولا أكمل من «المحكم» لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده الأندلسي

رحمهما اللََّه، وهما من أمهات اللغة على التحقيق، وما عداهما بالنسبة إليهما ثنيات الطريق. غير أن لكلا منهما مطلب عسر المهلك، ومنهل وعر المسلك وكأن واضعه شرع للناس موردا عذبا وحلأهم عنه، وارتاد لهم مربعا ومنعهم منه، قد أخر وقدم، وقصد أن يعرب فأعجم، فرّق الذهن بين الثنائي والمضاعف والمقلوب وبدد الفكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي فضاع المطلوب، فأهمل الناس أمرهما، وانصرفوا عنهما، وكادت البلاد لعدم الإقبال عليهما أن تخلو منهما، وليس لذلك سبب إلا سوء الترتيب، وتخليط التفصيل والتبويب. ورأيت أبا نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قد أحسن ترتيب (مختصره) ، وشهره بسهولة وضعه شهرة أبي دلف بين باديه، ومحتضره، فخف على الناس أمره فتناولوه، وقرب عليهم مأخذه فتداولوه وتناقلوه، غير أنه في جو اللغة كالذرّة، وفي بحرها كالقطرة، وإن كان في نحرها كالدرّة. وهو مع ذلك قد صحف وحرف، وجزف فيما صرّف، فأتيح له الشيخ أبو محمد بن بري فتتبع ما فيه، وأملى عليه أماليه، مخرجا لسقطاته، مؤرخا لغلطاته، فاستخرت اللََّه سبحانه وتعالى في جمع هذا الكتاب المبارك، الذي لا يساهم في سعة فضله ولا يشارك، ولم أخرج عما في (هذه الأصول) ، ورتبته ترتيب «الصحاح» في الأبواب والفصول. وقصدت توشيحه بجليل الأخبار، وجميل الآثار، مضافا إلى ما فيه من آيات القرآن الكريم، والكلام على معجزات الذكر الحكيم، ليتحلى بترصيع دررها عقده، ويكون على مدار الآيات والأخبار والآثار والأمثال والأشعار حله وعقده فرأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري قد جاء في ذلك ب «النهاية» ، وجاوز في الجودة حد الغاية، غير أنه لم يضع الكلمات في محلها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها، فوضعت كلا منها في مكانه، وأظهرته مع برهانه».

فهو كما ترى قد صدر كتاب «التهذيب» في أول مصادره الخمسة الرئيسة، وهي «التهذيب» ، و «المحكم» ، و «الصحاح» ، و «أمالي ابن بري على الصحاح» ، و «نهاية ابن الأثير» .

ويقول ابن منظور أيضا في توثيق الأزهري وابن سيده.

«وأنا مع ذلك لا أدعي فيه دعوى فأقول: شافهت أو سمعت. أو فعلت أو صنعت، أو شددت أو رحلت، أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت، فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهري وابن سيده لقائل مقالا، ولم يخليا فيه لأحد مجالا، فإنهما عنيا في كتابهما عمن رويا، وبرهنا عما حويا، ونشرا في خطهما ما طويا، ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفيا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت