فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 971

الرواة يدونون هذا التراث اللغوي في رسائل متفرقة لا تخضع لأي ضرب من ضروب الترتيب والتنسيق.

ولعل كتاب «النوادر في اللغة» لأبي زيد الأنصاري (المتوفى سنة 225هـ) خير ما يمثل هذه المرحلة. إذ يورد المؤلف فيه نصوصا شعرية ونثرية مليئة بالمفردات العربية النادرة فيشرحها ويعلق عليها من غير ترتيب في إيراد النصوص أو ربط بين معاني الألفاظ، وقد يعمد المؤلف إلى ذكر ما كان لدى بعض قبائل العرب من لغات خاصة في الكلام أو من لهجاتهم.

المرحلة الثانية:

في هذه المرحلة اتجه علماء اللغة إلى جمع الألفاظ الخاصة بموضوع معين مستعينين بما خلّفه السابقون من الرواة وظهرت رسائل لغوية صغيرة سميت بالمعاجم الخاصة، وصلنا بعضها بشكل مخطوط، وفقد الكثير فيما فقد من كتب التراث.

ومما ألف في هذه المرحلة كتب الأصمعي (216هـ) في الدارات، والسلاح، والإبل، والخيل، والنبات، والشجر، والنخل والكرم.

وكتب ابن دريد (321هـ) في المطر واللبن والغرائز. وكتب أبي حنيفة الدينوري (282هـ) في الأنواء والنبات. وكتب ابن قتيبة (276هـ) في الرحل أو المنزل.

وكل هذه الرسائل كانت المادة الأساسية لمعاجم الألفاظ الكبرى التي ظهرت بعدها.

المرحلة الثالثة:

وهي المرحلة التي بدأ بها وضع معاجم شاملة للغة مرتبة على نمط خاص. فهي أما مرتبة على حسب الموضوعات وتسمى معاجم المعاني أو المعاجم المبوبة وهي امتداد لمعاجم المرحلة الأولى، أو مرتبة بالنسبة لحروفها لا إلى معانيها وتسمى معاجم الألفاظ أو المعاجم المجنسة.

المصادر التي استقى منها أصحاب المعجمات العربية موادها والمناهج التي التزموها في جمع هذه المواد:

استخلص أصحاب المعجمات العربية معظم ما اشتملت عليه معجماتهم من كتاب اللََّه الذي {لََا يَأْتِيهِ الْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلََا مِنْ خَلْفِهِ} ، ومن أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن الأثار العربية في العصر الجاهلي والعصور الإسلامية الأولى، واستخلصوا

بعضه من العرب المعاصرين لهم. وكانوا شديدي الاحتياط في هذه الناحية إلى حد الإفراط. فكانوا يتحاشون الأخذ ممن تشوب عربيته أية شائبة. ولذلك أخذوا كثيرا مما أخذوه عن عرب البادية لفصاحة ألسنتهم وبعد لهجاتهم عن التأثر باللغات الأعجمية وعزلتهم وقلة احتكاكهم بغيرهم. فكانوا يترقبون مجيء أعراب البادية إلى المدن في التجارة أو غيرها، فيستمعون إلى حديثهم ويناقشونهم في مختلف شئون اللغة، ويدونون من فورهم كل ما يهديهم إليه هذا الحديث وترشدهم إليه هذه المناقشة بصدد مفردات اللغة ودلاتها ووجوه استخدامها. وكانوا يتبعون أحيانا ما يسميه علماء اللغة «الملاحظة السلبية» فيرحلون إلى البادية ويقضون فيها بين ظهراني الأعراب مدة طويلة، يعاشرونهم ويستمعون إليهم في أحاديثهم الطبيعية ويدونون ما يقفون عليه في هذا السبيل من مفردات وصيغ وأساليب (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت