فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 971

هذا ضِعفاه أي مثلاه وثلاثة أمثاله، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة. ألا ترى قول اللََّه عزّ وجلّ: فَأُولََئِكَ لَهُمْ جَزََاءُ

الضِّعْفِ بِمََا عَمِلُوا [سَبَأ: 37] لم يُرِدْ به مِثْلًا ولا مثلَين، ولكنَّه أراد بالضِّعف الأضعاف، وأَولى الأشياء به أن يُجعلَ عشرةَ أمثاله، لقول اللََّه جلّ وعزّ: {مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا وَمَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلََا يُجْزى ََ إِلََّا مِثْلَهََا} [الأنعَام: 160] فأقلُّ الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور. وأما قول اللََّه تعالى: {يُضََاعَفْ لَهَا الْعَذََابُ ضِعْفَيْنِ}

[الأحزَاب: 30] إنّهما ضعفانِ اثنان فإن سياق الآية والآية التي بعدها دلّ على أنّ المراد من قوله {ضِعْفَيْنِ} مَرَّتينِ. ألا ترى قوله بعد ذكر العذاب: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلََّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صََالِحًا نُؤْتِهََا أَجْرَهََا مَرَّتَيْنِ}

[الأحزَاب: 31] . فإذا جعل اللََّه لأمّهات المؤمنين من الأجر مثلَيْ ما لغيرهنّ من نساء الأمَّة تفضيلًا لهنّ عليهنّ، فكذلك إذا أتت بفاحشةٍ إحداهُنَّ عُذبتْ مثلَيْ ما يعذَّب غيرها. ولا يجوز أن تُعطَى على الطاعة أجرَين، وعلى المعصية أن تعذّبَ ثلاثة أعذبة.

وهذا الذي قلتُه قولُ حُذّاق النحويين وقولُ أهل التفسير. وإذا قال الرجل لصاحبه:

إن أعطيتني درهمًا كافأتك بضعفين، فمعناه بدرهمين.

وقال أبو إسحاق الزَّجَّاجُ في قول اللََّه:

{فَآتِهِمْ عَذََابًا ضِعْفًا مِنَ النََّارِ} [الأعرَاف: 38] قال: عذابًا مضاعفًا لأنّ الضِّعف في كلام العرب على ضربين: أحدهما المثل، والآخر أن يكون في معنى تضعيف الشيء {قََالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} [الأعرَاف: 38] أي للتابع والمتبوع لأنّهم قد دخلوا في الكفر جميعًا، أي لكلٍّ عذابٌ مضاعف.

وقول اللََّه جلّ وعزّ: {إِذًا لَأَذَقْنََاكَ ضِعْفَ الْحَيََاةِ وَضِعْفَ الْمَمََاتِ} [الإسرَاء: 75] أي أذقْناك ضِعفَ عذاب الحياة وضِعفَ عذاب الممات، ومَعناهما التضعيف.

وقول اللََّه جلّ وعزّ: {وَمََا آتَيْتُمْ مِنْ زَكََاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللََّهِ فَأُولََئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}

[الرُّوم: 39] معناه الداخلون في التضعيف، أي يُثابون الضِّعْف الذي قال اللََّه تعالى: {فَأُولََئِكَ لَهُمْ جَزََاءُ الضِّعْفِ بِمََا عَمِلُوا} [سَبَأ: 37] .

والعرب تقول ضاعفت الشيء وضعّفته، بمعنًى واحد. ومثله امرأة مُناعَمة ومنعَّمة، وصاعَر المتكبّر خَدَّه وصعّره، وعاقدت وعقّدت، وعاقبت وعقّبت، بمعنًى واحد.

أبو عبيد عن أبي عمرو قال: المضعوف من أضعفتُ الشيء وأنشد قول لبيد:

وعالَين مضعوفًا وفَردًا سُموطُه

جُمانٌ ومَرجانٌ يشكُّ المفاصلا

وأما قول اللََّه عزّ وجلّ: {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا} [الرُّوم: 54]

قال قتادة:

{خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} قال: من النُّطفة. {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا} ، قال: الهَرَم.

وفيه لغتان: الضَّعْف والضُّعْف. وقرأ عاصم وحمزة: {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال:

66]و: {اللََّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} [الرُّوم:

54]بفتح الضاد فيهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائي: (من ضُعْفٍ) و (ضُعْفًا) بضم الضاد، وهما لغتان.

وقال الليث: يقال ضعف الرجل يضعف ضَعفًا وضُعفًا، وهو خلاف القُوّة قال:

ومنهم من يقول: الضَّعف في العقل والرأي، والضُّعف في الجسد. قلت: هما عند جماعة أهل البصر باللغة لغتان جَيِّدتان مستعملتان في ضَعف البدن وضَعف الرأي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت