قلت: قد قال الشافعي رحمه اللََّه تعالى فأحسن، وأوضح فبيَّن، ودلّ سياقُ بيانه فيما ذكرناه عنه آنفًا وفيما لم نذكره إيجازًا، على أنّ تعلُّم العربية التي بها يُتوصَّل إلى تعلم ما به تجري الصلاة من تنزيلٍ وذكرٍ، فرضٌ على عامّة المسلمين، وأنّ على الخاصّة التي تقوم بكفاية العامة فيما يحتاجون إليه لدينهم الاجتهادَ في تعلُّم لسان العرب ولغاتها، التي بها تمام التوصُّل إلى معرفة ما في الكتاب والسنن والآثار، وأقاويل المفسِّرين من الصّحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبةِ والمخاطبات العربية فإنَّ من جهل سعة لسان العرب وكثرة ألفاظها، وافتنانها في مذاهبها، جَهِل جُمَل علم
الكتاب، وَمن عَلمها ووقَف على مذاهبها، وفهمَ ما تأوَّله أهل التفسير فيها، زالت عنه الشُّبَه الداخلة على مَن جَهِل لسانَها من ذوي الأهواء والبِدع.
وكتابي هذا، وإن لم يكن جامعًا لمعاني التنزيل وألفاظ السنن كلّها، فإنه يَحُوز جملًا من فوائدها، ونُكتًا من غريبها ومعانيها، غير خارج فيها عن مذاهب المفسِّرين، ومسالك الأئمة المأمونين، من أهل العلم وأعلام اللغويّين، المعروفين بالمعرفة الثاقبة والدّين والاستقامة.
وقد دعاني إلى ما جمعتُ في هذا الكتاب من لغات العرب وألفاظها، واستقصيتُ في تتبُّعٍ ما حصَّلت منها، والاستشهاد بشواهد أشعارها المعروفة لفصحاء شعرائها، التي احتجَّ بها أهل المعرفة المؤتمنون عليها، خلالٌ ثلاثٌ:
منها تقييد نكتٍ حفظتُها ووعيتُها عن أفواه العرب الذين شاهدتهم وأقمت بين ظهرانيهم سنيَّات، إذ كان ما أثبتَه كثيرٌ من أئمةِ أهل اللغة في الكتب التي ألّفوها، والنوادر التي جمعوها لا ينوبُ منابَ المشاهدة، ولا يقوم مقام الدُّربة والعادة.
ومنها النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين في إفادتهم ما لعلَّهم يحتاجون إليه. وقد
روينا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ألا إن الدينَ النصيحة للََّه ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم»
.والخلة الثالثة هي التي أكثر القصد: أني قرأت كتبًا تصدَّى مؤلفوها لتحصيل لغات العرب فيها، مثل كتاب «العين» المنسوب إلى الخليل، ثم كتب من احتذى حَذْوَه في عصرنا هذا. وقد أخلَّ بها ما أنا ذاكره من دَخَلها وعَوارها بعقب ذكرى الأئمةِ المتقنين وعلماء اللغة المأمونين على ما دوّنوه من الكتب وأفادوا، وحصَّلوا من اللغات الصحيحة التي روَوها عن العرب، واستخرجوها من دواوين الشعراء المعروفين وحفظوها عن فصحاء الأعراب.
وألفيت طلاب هذا الشأن من أبناء زماننا لا يعرفون من آفات الكتب المصحَّفة المدخولة ما عرفتُه، ولا يميزون صحيحها من سقيمها كما ميزتُه. وكان من النصيحة التي التزمتُها توخِّيًا للمثوبة من اللََّه عليها، أن أنصحَ عن لغة العرب ولسانها العربيّ الذي نزل به الكتاب، وجاءت السنن والآثار، وأن أهذّبها بجهدي غاية التهذيب، وأدلَّ على التصحيف الواقع في كتب المتحاذقين، والمُعْوِر من التفسير المزال عن وجهه، لئلا يغترّ به من يجهله، ولا يعتمده من لا يعرفه.
وكنت منذُ تعاطيتُ هذا الفنَّ في حداثتي إلى أن بلغتُ السبعين، مولعًا بالبحث
عن المعاني والاستقصاء فيها، وأخذها من مظانها، وإحكام الكتب التي تأتَّى لي سماعُها من أهل الثبت والأمانة للأئمة المشهّرين، وأهل العربية المعروفين.