{وَمََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] وقُرِئ: (أنْ يُغَلَّ) ، مَنْ قَرأَ: (أنْ يُغَلَّ) يريد: أن يُخَانَ. قال: وقرأه أصحابُ
عبدِ اللََّه كذلك: (أنْ يُغَلَّ) ، يُريدون:
أنْ يُسَرَّقَ.
وَقال أبو العَبّاس: جَعَلَ: يُغَلُّ، بِمَعْنى:
يُغَلَّلُ. وكلامُ العَرَبِ عَلَى غَيْرِ ذلكَ في:
(فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ) ، وأفْعَلْتُهُ: أدْخَلْتُ ذاكَ فيهِ، وفَعَّلْتُ: كَثَّرْتُ ذاكَ فيه.
وقال الفَرّاءُ: جائزٌ أنْ يَكُونَ: يُغَلُّ، مِنْ:
أَغْلَلْتَ بمعنى: يُغَلَّلُ، أي: يُخَوّنُ، كقولِه تعالى: {فَإِنَّهُمْ لََا يُكَذِّبُونَكَ} [الأنعام:
33]و (لَا يُكذبُونَكَ) .
وقال الزِجّاجُ: قُرئا جميعًا: ( {أَنْ يَغُلَّ} ، وأن يُغَلَّ) . فَمَنْ قال:
{أَنْ يَغُلَّ} : فالمَعْنى: ما كانَ بِنَبِيٍّ أن يَخُونَ أمَّتَهُ. وتَفْسِيرُ ذلكَ
أنّ الغَنَائِمَ جَمَعَها النبي صَلَى الله عليه وسلم في غَزَاةٍ، فجاءَهُ جماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: «ألَا تَقْسِمُ بَيْنَنا غَنَائِمنَا؟؟» .
فقالَ صَلَى الله عليه وسلم: «لو أَفَاءَ اللََّه عَلَيَّ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا مَنَعْتُكم دِرْهَمًا، أَتَرَوْنَني أغُلُّكُمْ مَغْنَمكُمْ؟!» .
قالَ: وَمَنْ قَرَأَ: (أنْ يُغَلَّ) فهو جائِزٌ عَلَى ضَرْبَينِ:
أحدُهُما: ما كانَ لنبيٍّ أن يَغُلَّهُ أصْحَابُه، أيْ: يَخُونُوهُ،
وجاء عن النبي صَلَى الله عليه وسلم: أنه قالَ: «لا أَعْرِفَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القِيامَةِ وَمَعهُ شَاةٌ، قَدْ غَلَّها، لها ثُغَاءٌ، ثم قَالَ: أَدُّوا الخَيْطَ وَالمَخْيَطَ»
.والوجهُ الثّانِي: أَنْ يَكُونَ: (يُغَلَّ) ، أيْ:
يُخَوَّنَ.
وأخبرني المُنذِريّ عن الحُسين بنِ فَهْم عن ابنِ سَلّام، قالَ: كان أبو عمرو بنُ العَلَاء، ويونُس يَخْتَارَانِ: {وَمََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} . قال يُونُسُ: وكيفَ لا يُغَلُّ؟
بَلَى، ويُقْتَلُ!!.
ورُوِيَ عن النبي صَلَى الله عليه وسلم أنّه أملى في كتابِ صُلْحِ الحُدَيبيّةِ: «أنْ لا إغْلالَ ولا إسْلالَ» .
وقالَ أبُو عُبَيدٍ:
قال أبو عمرٍو: الإغْلالُ: الخِيَانَةُ، والأسْلالُ: السَّرِقَةُ. قالَ: وكانَ أبو عبيدةَ يقُولُ: رَجُلٌ مُغِلٌّ مُسِلٌّ، أيْ: صاحبُ خِيَانَةٍ وَسَلَّةٍ، ومنهُ
قَوْلُ شُريَح: «ليسَ على المُسْتَعِيرِ غيْرُ المُغِلِّ ضَمَانٌ»
، يَعْني:
الخَائِنَ.
وقالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلبٍ:
جَزَى اللََّه عَنّا حَمْزَةَ أَبْنَةَ نَوْفَلٍ
جَزَاءَ مُغِلٍّ بالأَمَانَةِ كَاذِبِ
قال: وأما
قولُ النبي صَلَى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ لا يَغِلُّ عَلَيْهِنّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ» .
فإِنَّه رُوي: لا يَغِلُّ، ولا يُغِلُّ.
فَمَنْ قَالَ: لا يَغِلّ بِفَتْحِ الياء وَكَسْرِ الغَيْنِ فَإنَّه يَجْعَلُ ذلِكَ مِنَ الغِلِّ، وهو الضِّغْنُ والشَّحْنَاءُ.