وقوله تعالى: ( الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ(35) [غافر/35] (1) .
وقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(56) [غافر/56، 57] (2) .
وقوله تعالى: ( وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35) [الشورى/35] (3) .
وهذه النصوص - الواردة في الإطار الثاني - يلحظ فيها أن لفظة الجدل مطلقة غير مقيدة ولا مستثناة , كما أن سياقها يدل على ما هو شائع من معنى الجدل الذي هدفه المغالبة والمنازعة والاعتراض الذي يكون به دفع الحق ورده إذا لم يوافق هوى المجادل .
كما أن في هذه النصوص أيضًا معاني أخرى في الجدل المحض مثل أن يكون بلا علم أو الجدل في الحق بعدما تبين , مما يؤكد على أن الاستثناء والقيد بالتي هي أحسن الوارد في الإطار الأول يعني خلاف ذلك تمامًا .
الإطار الثالث: نصوص قد لا يظهر فيها المدح أو الذم وربما حصل توهم في فهمها وجعلها في المدح وربما الاستدلال بها في المشروعية وهي ليست كذلك .
وهذه النصوص هي:
قوله تعالى: ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ(74) [هود/74] (4) .
وقوله تعالى: ( قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(32) [هود/32، 33] (5) .
وقوله تعالى: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1) [المجادلة/1، 2] (6) .
أما الآية الأولى فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يقر على جداله ذلك , فقد قال تعالى بعد تلك الآية: ( يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ(76) [هود/76، 77] (7) قال الإمام الطبري:"يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قول رسله لإبراهيم: يا إبراهيم أعرض عن هذا , وذلك قيلهم له حين جادلهم في قوم لوط فقالوا: دع عنك الجدال في أمرهم والخصومة فيه فإنه قد جاء أمر ربك بعذابهم وحق عليهم كلمة العذاب، ومضى فيهم بهلاكهم القضاء" (8) .
وأما الآية الثانية فإن قوم نوح عليه الصلاة والسلام قصدوا ذمه فوصفوه بالجدل والإكثار منه , وليس هذا الوصف منه لنفسه وليس من الله عز وجل له، بل إنه عليه الصلاة والسلام يصف فعله بالنصيحة , فيقول كما ذكر الله تعالى عنه: ( وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(34) [هود/34] (9) وكما في قوله تعالى: ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(62) [الأعراف/62، 63] (10) .
أما الآية الثالثة الواردة في سورة المجادلة فلا تعدو أن تكون وصفًا دقيقًا لشدة مراجعة هذه المرأة وهي خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة ظهار زوجها لها , فلا تقتضي المدح ولا الذم .
ويدل على ذلك الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:"تبارك الذي وسع سمعه كل شيء ؛ إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه ، وهي تشتكي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني , اللهم إني أشتكي إليك . قالت عائشة: فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ( قال: وزوجها أوس بن الصامت"أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه , ووافقه الذهبي .(11)
يقول الشوكاني رحمه الله:"والمجادلة هذه الكائنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كلما قال لها: حرمت عليه , قالت: والله ما ذكر طلاقًا , ثم تقول أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي وأن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا , وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك" (12) .
كما أن ( تجادلك ) فيها قراءة أخرى وهي ( تحاورك) (13) .
(1) سورة غافر الآية 35.
(2) سورة غافر الآية 56.
(3) سورة الشورى الآية 35 وانظر درء تعارض العقل والنقل 1/ 4 و 7 / 170.
(4) سورة هود الآية 74.
(5) سورة هود الآية 32.
(6) سورة المجادلة الآية1.
(7) سورة هود الآية 76.
(8) جامع البيان 12 / 80.
(9) سورة هود الآية 34.
(10) سورة الأعراف الآية 62 .
(11) المستدرك على الصحيحين 2 / 481.
(12) فتح القدير 5 / 18.
(13) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 17 / 272 والجواهر الحسان للثعالبي 4 / 276 .