فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 1942

والقرآن الكريم يمثل كلامًا حقيقيًا يتوفّر على معالجة المشاكل بواقعية.. وأزمة العدالة هي عدم تطبيق الإنسان لها،ومشكلة القسط هي عدم الشهود. فالظالم عندما يظلم فإنه يبرّر ظلمه للناس، ويحاول أن يقنع نفسه بالظلم وأن يختلق التبريرات لنفسه، ثم يعمل على نشر هذه التبريرات بعد أن يتأكد من أن قابلية تقبّل هذه التبريرات موجودة في المجتمع،ويعرف أن هناك أشخاصًا يلوذون بالصمت والسكوت. أما إذا ارتكب الإنسان الظالم الظلم وهو يعلم أن المجتمع مجتمع شاهد بالحق، فقبل أن يردعه العقاب الرسمي، تردعه ملامة أفراد المجتمع.

وهناك نقطة أخرى يؤكد عليها القرآن الكريم، وهي أن أكثر الناس يظلمون، ويبررون ظلمهم للآخرين بأن هؤلاءالآخرين يظلمونهم، ولكنّ القرآن الكريم ينهى عن هذا السلوك في قوله: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى اَلاَّتَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ، وقوله على لسان (هابيل ) الذي حاول أن يرد إساءة أخيه بالحسنى: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لاََقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَ الْعَالَمِينَ ) (المائدة/28)

التحلّي بروح العدالة أبدًا

ولكي نكرّس العدالة في المجتمع لابد أن نتحلّى بروحها حتى أمام الظالمين، فمن أجل أن نصنع واقعًا حضاريًا في أمتنإ؛پپّّفإننا بحاجة إلى العدالة، والعدالة بحاجة إلى أن يلتزم الإنسان بها حتى في مقابل من يبغضه ويعاديه، وهذا -بدوره-بحاجة إلى القيام للَّه بشكل متواصل، ومن خلال نوعيّات وكيفيات معينة.

إن علينا في مجال ضمان تطبيق العدالة أن نلتزم بالتسلسل التالي:

1-القيام للَّه

2-الشهادة بالقسط

3-الالتزام بالعدالة، حتى مع العدو

4-العدالة التي هي أقرب إلى التقوى.

وفي الختام؛ ينبغي لنا توطين أنفسنا على تطبيق البنود السابقة، فالمآسي التي تتوالى علينا إنما سببها عدم تطبيقنا للآيات القرآنية، فلنحوّل شخصيتنا التي ورثناها من المجتمع المتخلف إلى شخصية نصوغها -بأنفسنا- وفق البصائروالتوجيهات القرآنية.

من أجل حضارة إسلامية

يختلف الإنسان عن سائر الكائنات الحية أنه أوتي نزعة في داخله تدعوه إلى السمو والتقدم والتكامل، وهذه النزعة لانجدها في جميع المخلوقات؛ فالماء - مثلًا - لا يتحرك إلى الأعلى، بل هو أبدًا ينجذب إلى الأسفل باحثًا عن منحدر ثم عن حفرة ليستقر فيها، بينما الإنسان يبحث عن القمم والتقدم والرقي ، إنه يهدف إلى أن يكون يومه خيرًا من أمسه،وغده خيرًا من يومه، وهو يطمح أن يكون أكثر مالًا وأكثر علمًا وأكثر شهرة. ولولا هذه النزعة المتأصلة في ذاته لكان واقعه يشبه واقع الأحياء الأخرى؛ كما القرود والقطط والأسود ... وغيرها مما يعيش ضمن واقع راكد ومتخلف وبدائي.

لكن الإنسان يفكر ويحاول ويسعى فيتقدم ، وهذا هو الذي دفع به إلى أن يطور مراحله التاريخية، فتكون التالية أتقن وأرقى من التي سبقتها. فهو ينتقل من العصر الحجري إلى عصر اكتشاف النار ثم الزراعة ثم البخار ثم الماكنة ثم إلى عصر اكتشاف الذرة؛ حيث يغزو فيه الفضاء ويرسل الصواريخ والأقمار الصناعية والسفن الفضائية بحثًا عمّا يجري في المريخ والمشتري، حتى وصل به الأمر إلى استطلاع الكواكب وأخبارها وهو جالس على مقعده في مركزه الأرضي هنا.

إن هذه النزعة وهذا الطموح هو الدافع للبشرية في الاستمرار ضمن عملية التنافس، ونجد في التنافس صفة عميقةالجذور في النفس الإنسانية.

شي ء من تأريخ الإسلام

ففي يوم من الأيام وعهد من العهود كانت فيه الأمة الإسلامية تمثل القمة والتألق بالنسبة للحركة العالمية ولسائرالشعوب والدول والحضارات ، إذ كانت تجد في الحضارة المدنية الإسلامية كعبتها وقدوتها. فالعالم كله كان شديدالفضول والتطلع إلى الكشف عن تفاصيل حياة المسلمين ؛ كيف يفكرون وكيف يتعاملون وكيف يتقدمون وكيف وكيف... وسبب ذلك كله كان المسلمون القمة في التشريعات والتطبيقات؛ في الحركة والتعاون، في المال والاقتصاد، في القوةوالحرية. وليس عجبًا أن نرى المؤرخين يؤكدون روعة التقدم الحضاري للمسلمين، ويصورون أجمل الصور وأروعهاعن طبيعة حياتهم، حتى أن أحد المؤرخين لم يغفل عن إحصاء عدد الحمامات في بغداد، حيث وصل إلى زهاء الألف،وكذا المساجد والمدارس والمستشفيات والحوزات العلمية، وكانت أهمها الحوزة التي يشرف على إدارتها زعيم الشيعةونقيب الطالبيين والأشراف السيد الشريف المرتضى الملقب ب ( علم الهدى ) ومن بعده شيخ الطائفة أبوجعفر الطوسي، اللذان كانا يهتمان كل الاهتمام بالطلبة والدارسين ، وكان من أمر علم الهدى أن صنع لكل واحد من طلابه مفتاحًا خاصًا به لأخذ ما يحتاجه - من دون حرج - من بيت المال الخاص بالحوزة العلمية المشار إليها آنفًا،حيث تجمع فيها المخصصات والنذورات والهدايا والحقوق الشرعية ، وما كان أحد من طلابه يأخذ أكثر من حاجته اليومية. ولعمري إن في ذلك المصداق الأكبر في الأمانة من جهة، والاهتمام بالتطور العلمي، وما ذاك إلاّ صورة مصغرةللغاية عن عظمة ما وصلت إليه العقلية الإسلامية المخلصة والطامحة للتطور، وسبق الأمم الأخرى من جهة ثانية.

لقد كان العالم يجهل حياة وطبيعة المسلمين، ولكن الأمر قد انعكس تمامًا في الزمن الحاضر، وإذا الحضارة والقوةوالقدرة قد انتقلت إلى مناطق أخرى، فالمسلم أينما يولي وجهه فهو يسمع خبرًا علميًا صادرًا من أوروبا أو أميركا أواليابان، فاليوم تم اكتشاف علاج مرض السل، وخبر آخر يشير إلى غزو الفضاء، وآخر يتحدث عن التطور الصناعي و .. و ..

بلى؛ إن تطور وتقدم المسلمين آنذاك كانت له أسبابه، واضمحلالهم - فيما بعد - كانت له أسباب أيضًا. وكذلك العالم الغربي محكوم بنفس القانون ، فإذا كانت القوة والقدرة والرقي موجودًا اليوم في الحضارة المدنية الغربية؛ فإن ذلك كله قديتلاشى - وهو في طريقه إلى التلاشي - لمجرد ظهور أسبابه .

هزيمة المجتمع الغربي

وحيث كانت أطماع وأنانية معظم من حكموا بلاد المسلمين أحد أهم أسباب التراجع والنكسة والهزيمة التي حلت بالمجتمع الإسلامي، فإن الخواء الروحي يعد في طليعة أهم عوامل الانحدار الغربي. وللأسف الشديد فإن غالبية الشباب المسلم في مجتمعاتنا لا يتصورون الغرب إلا عالمًا متماسكًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إذ يعتقدون فيه قمةالتطور الإنساني أو نهاية التاريخ وحافته! متغافلين عن أن الغرب فيه ما فيه من المساوئ ما يندى لها الجبين؛ على الأقل لو تم فضحها في الوسائل الإعلامية والخبرية؛ فضلًا عما لو أخذت ونوقشت مناقشة منطقية أو فلسفية تأريخية.

فمصادقة معظم برلمانات أوروبا الغربية على قانون إباحة الشذوذ الجنسي، أو بنسبة فوز الرئيس الأميركي بيل كلينتون بعد حصوله على أصوات الشاذين وسماحه لهم بالانخراط في صفوف الجيش، أو المصادقة في معظم الولايات الأميركيةعلى قانون حرية الإجهاض وقتل النفس المحترمة.. فهذه مجرد عيّنة مصغرة من طبيعة الانحدار الخلقي وتآكل البنيةالتحتية للمجتمعات الغربية، ولعل السر في بقاء أنظمة هذه الدول في الحياة، يكمن في عدم نهضة الشعوب الأخرى لإبادة هذا التفسخ، لا غير ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت