فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 1942

ويعزو لجوء هؤلاء العلماء والدعاة الأجلاء للتحذير من الغزو الفكري إلى العجز الذي ظهرت تجلياته - كم يزعم - في الخطاب الإسلامي عن تقديم بديل سياسي، ثقافي، اقتصادي للمجتمعات الإسلامية، فيلجئون إلى الشعارات المعلبة الجاهزة، والأسطوانات المكرورة، ويعلقون عليها فشلهم الحضاري عن اجتراح البديل .. هكذا يفسر جهود أولئك العلماء والمصلحين .

ثم يخلص إلى القول أن لا قضية حقيقية في هذا الموضوع ، فلا يوجد ثمة غزو ولا من يغزون .. كل ما هنالك أن ثمة حضارة غربية علت وهيمنت .. الخ .

وأقول: هاهنا مكمن الداء، فإن الحضارة الغربية قد علت ماديًا، لكنها روحيًا تتمرغ في الحضيض، ونحن المسلمين ، نحن الأعلون بإيماننا وعقيدتنا ومبادئنا كما قال تعالى: (( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) (آل عمران:139) .

فمتى ما تخلينا عن عقيدتنا ، وأحسسنا باستعلاء الكافر علينا ، كانت الهزيمة الحسية والمعنوية كما هو حال المسلمين اليوم، وهذا ما يفسر انتصار المسلمين الأوائل الذين لم يعرفوا الحضارة المادية، على أكبر حضارتين في العالم آنذاك: فارس والروم .

وختامأً: فإني أنصح هذا الكاتب بتقوى الله عز وجل، وأن يكف عن لمز المؤمنين ، وتنفير الناس عن منهج السلف، فالخير كل الخير في اتباع منهج السلف الصالح .

والله ولي التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد .

الولاء والبراء والنظر في المناهج

الحمد لله القائل: (( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) ) (سورة الأنبياء:92) .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ختم رسالات السماء بالإسلام، وأنزل على خاتم المرسلين قوله تعالى: (( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) ) (سورة آل عمران:19) .

وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسوله نزل عليه حين كان بمكة قوله تعالى: (( قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ*وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) ) (سورة الكافرون) .

وبَعَثَ في آخر أيامه بالمدينة مناديًا يُنادي في الحج بقوله تعالى: (( وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) ) (سورة التوبة:3) .

اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

عباد الله:

اتقوا الله واخشوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ) (سورة آل عمران:102) .

أيها المسلمون:

قضيةٌ كبرى من قضايا الدين الحق، ما كنت أحسبُ أنني بحاجة إلى تذكيركم بها هذه الأيام - وإن كانت غاية في الأهمية لوضوحها عند عوام المسلمين فضلًا عن علمائهم ومثقفيهم - لولا أني قرأت ما كتبه البعضُ مؤخرًا عنها ، ومسألة عظيمة من مسائل العقيدة يقع فيها الخطأ والخلط إن في الفهم أو في التطبيق أو في كليهما، عند فئة من الناس، وتحتاج إلى بيان وإيضاح، تلكم هي عقيدة الولاء والبراء، فما معنى الولاء وما معنى البراء؟ وما حكم الموالاة والمعاداة ؟ وماذا عن نصوص الكتاب والسُّنة وكلام أهل العلم فيهما؟ وهل من أمثلةٍ واقعية على الموالاة للكفار؟ وما هي نتائج ذلك وآثاره؟

إخوة الإسلام:

معنى الولاء هو المحبةُ والودُّ والقُرب، ومعنى البراء هو: البُغض والعداوة والبعد، وإذا كان الولاءُ والبراءُ من أعمال القلوب فإن مقتضياتهما وآثارهما تظهر في المواقف العملية وعلى الألسنة والجوارح.

ومن هنا يمكن القول أن الولاء والبراء ليسا مجرد اعتقادٍ في القلب، بل يظهر منهما وينشأ عنهما من أعمالِ القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنُصرة والأنسِ والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال (عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، الدرر السنية 2/157) .

والولاءُ الحق لا يكون إلا لله ولرسوله r وللمؤمنين كما قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ آمَنُواْ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ) (سورة المائدة:55) .

والبراءةُ إنما تكون من الكافرين وكذلك أُمر المؤمنون (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلقُونَ إِليْهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الحَقِّ ) ) (سورة الممتحنة:1) إلى قوله تعالى مخاطبًا المؤمنين ومادحًا لإبراهيم والمؤمنين معه: (( قَدْ كَانَتْ لكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ) ) (سورة الممتحنة:1 -4) .

عبادَ الله:

هل يخفى أن الولاءَ والبراءَ شرطٌ في الإيمان، والله تعالى يقول: (( تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلوْنَ الذِينَ كَفَرُواْ لبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَليْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِل إِليْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ) (سورة المائدة:80، 81) .

قال ابن تيمية - رحمه الله-:"فذكر جملةً شرطيةً تقتضي أنه إذا وجد الشرطُ وُجد المشروط، بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاءُ المشروط (الإيمان ص14) ."

أيها المؤمنون:

بل يصل الأمرُ في الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين إلى كونه أوثق عُرى الإيمان، بخبر الصادق المصدوق حيث قال عليه الصلاة والسلام: (( أَوْثَق عُرَى الإِيمَان الحُبّ فِي الله وَالبُغْض فِي الله ) ) (أخرجه أحمد 4/286 وغيره، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة(1728) .

والولاءُ والبراءُ ليس عقيدةً باردةً لا محل لها ولا شأن في الإسلام، بل يرى علماءُ العقيدة أنه لا يتمُّ الدينُ ولا يُقام علمُ الجهاد، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، إلا في الحبِّ في الله والبغض في الله، ولو كان الناسُ مسلمهُم وكافرهم متفقين على طريقةٍ واحدة ومحبةٍ من غير عداوةٍ، ولا بغضاء لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، رسالة أوثق عرى الإيمان/38) .

ومن عجبٍ أن تُجهل عقيدةُ الولاءِ والبراء، أو يتهاون المسلمون في تطبيقاتها، وليس في كتاب الله حكمٌ - بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده - أكثر أدلةٍ ولا أبينَ من معاداة الكفار والمشركين، كما قال الشيخُ حمدُ بن عتيق - رحمه الله- وغيره (د. عبد العزيز العبد اللطيف، نواقض الإيمان القولية والعملية/359) .

أجل لقد كان رسول الله r يبايع أصحابه - رضي الله عنهم- على تحقيق هذا الأصل العظيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت