فهرس الكتاب

الصفحة 1445 من 1942

قبل ما يقارب من عقدين من الزمان والعالم ما زال في ذلك الوقت يتعامل بواقع ثنائي القطب إلى حد ما خرج المفكر الفرنسي روجيه جارودي على العالم أجمع بنظريته الرائدة ومشروعه للجمع بين الحضارات المختلفة على أساس أرضية مشتركة للتفاهم على مستوى شعوب الأرض وسماه بـ' حوار الحضارات ' ولكن مشروعه كان يتسم بسمة أساسية ألا وهي النقد الشديد للهيمنة الغربية والسيطرة الأمريكية حتى أنه بشر في ثنايا نظريته بزوال الغرب عموما لكن هذه الصيحة وأخواتها من جانب جارودي أو غيره من المفكرين والساسة الذين سعوا إلى وضع نظرية أو قاعدة تحكم وتفسر واقع المجتمع العالمي لم تجد الصدى اللائق بها في ذلك الوقت لواقع الصراع القائم والمسمي بالحرب الباردة بين قطبي العالم آنذاك ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم بدأت نظريات أخرى بالصعود إلى السطح والظهور لتفسير كيفية تعامل القطب الأحادي مع العالم في ضوء الواقع الجديد ومن هذه النظريات ما خرج به الأمريكي الجنسية الياباني الأصل 'فوكوياما' بما يسمى ويعرف بنظرية نهاية التاريخ تلك النظرية التي انتشرت سريعا لتتداعى بسرعة أكبر ومفادها تصوير انتصار الرأسمالية على الأرض أنها نهاية التاريخ وأن الإنسان الأمريكي هو من وصل إلى أقصى مستوى حضاري ممكن وبالتالي فهي نظرية نهاية الإنسان والتاريخ ثم تلا هذا المشهد مشهد آخر في أواخر صيف 1993 م وكانت أول شرارة أشعلت المشهد مقالة نشرت في صحيفة [الشؤون الخارجية] للمفكر الأمريكي الشهير صمويل هتنجتون تحت عنوان [صدام الحضارات] والتي حاول فيها قراءة مستقبل العالم المعاصر وقرر فيها أن الصراع في خلال القرن القادم سيكون صراعا بين الحضارات وليس صراعا اقتصاديا أو أيدلوجيا وقد حدد في نظريته تلك سبع حضارات أساسية يتوقع أن يلتهب بينهم الصراع ولا بد في هذا الصراع من زوال البعض وخضوع البعض الآخر لهيمنة الأقوى وقرر في النهاية أن الحضارات المتوقع لها الاستمرار حتى النهاية لما تحمله من إمكانيات ومقومات للبقاء هي ثلاث حضارات الإسلامية والغربية والكونفوشيوسية [حضارة الصين] وحذر العالم الغربي من تحالف الحضارة الإسلامية مع نظيرتها الكونفوشيوسية في إشارة إلى إمكانية حدوث تحالف نووي بين الصين وبعض الدول الإسلامية.

مقالة هتنجتون أثارت عاصفة من الانتقادات والجدل حول المفاهيم التي تضمنتها وقابل هتنجتون ذلك بالرد أنه على الرغم من إمكانية الاعتراف بوجود ثغرات في نظرية صراع الحضارات إلا أن المعارضين والرافضين لهذه النظرية لم ينجحوا أن يقدموا بديلا في طرحهم يوازيها في الواقعية والوضوح وبأن نظرية صراع الحضارات وهذا من وجهة نظر هتنجتون بالطبع هي خير وأفضل تصور موضوع للمستقبل في القرن القادم.

ولعل من الجدير بالذكر ردا على دعوى هتنجتون أن أحدا لم يطرح البديل المناسب أقول لعل من المناسب في هذا المقام بيان أن العديد من المفكرين والساسة الذين عارضوا نظرية صراع الحضارات والفكرة القائمة عليها قد طرحوا لها بديلا قويا ألا وهي نظرية حوار الحضارات كوسيلة لتجنيب المجتمع ويلات الحروب والقتال.

وتم إنشاء العديد من المؤتمرات والجمعيات والمؤسسات الداعية لترسيخ سياسة الحوار والتفاهم والتعايش السلمي بدلا من الصدام وتبني العديد من الكتاب هذه النظرية ودعوا إلى تنمية الحوار بين العالم الإسلامي والغرب حتى يمكن لكل طرف أن يتفهم الآخر ويتعايش معه وقد حددت الأمم المتحة عام 2001 م عام حوار الحضارات وعينت مندوبا متخصصا لهذا المنصب.

إلا أن أطروحة حوار الحضارات لم تخل من جدل شديد ونقد دائم مستمر حتى من جانب المفكرين المسلمين ولم يقف الجميع فيه على نسق واحد فمن رافض للفكرة من أساسها لعدم واقعيتها فكيف ستتحاور مع من يهدم بيتك ويشرد أهلك في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي إلى فريق آخر مؤيد للفكرة على الإطلاق وداع لها بغض النظر عن الواقع الحالي للأمة وفريق ثالث لا يستوعب المعنى المقصود من حوار الحضارات بل يحتفظ كل فرد في الفريق الثالث بفهم خاص له لهذا المصطلح.

ونحن بادئ ذي بدء لا نريد الوقوف مع واحد من تلك الفرق بدون نظرة محايدة منصفة قدر الإمكان ودراسة متأنية فالأمور لا تؤخذ كردود أفعال أو بدعوى الدفاع عن تهم لم نرتكبها أصلا أو بحكم العواطف والمشاهد الدامية كلا فالأمر يتعلق بمستقبل أمة وعلى الأمة أن تقرر طبيعة وشكل الطريق الذي تختار هي سلوكه في المرحلة القادمة بناءا على فهم واضح دقيق لأبعاد المصطلحات وحكم واضح صريح من علماء الأمة ومفكريها وقادتها مبني على قياس دقيق للمصالح والمفاسد.

بناءا على ما سبق يلزمنا إلقاء الضوء على نظرية حوار الحضارات وتحديد المقصود الدقيق بهذا المصطلح ثم بعد ذلك قياس حجم المصالح والمفاسد المترتبة على العمل بمقصودها ومن ثم تتضح إمكانية الحكم عليها.

' إن على الحضارات أن تكون قاعدة من الثوابت المشتركة فيما بينهم وتنطلق من خلال هذه القاعدة إلى حوار يؤمن بالتعددية وعدم هيمنة حضارة على الأخرى , هذا الحوار سيمكن كل طرف من تفهم الآخر والتعايش معه بدلا من الاصطدام والحروب ' هذه هي خلاصة نظرية حوار الحضارات وقبل أن نتسرع بإصدار الحكم عليها بالسلب أو الإيجاب علينا أن نوضح بعض المحاور الرئيسية وهي:

شرعية الحوار ومقاصده.

هل حوار الحضارات هو حوار بين الأديان؟.

هل حوار الحضارات واقع ممكن؟.

حوار الحضارات رؤية إسلامية وأخرى غربية في أعين مفكري الطرفين.

هذه ملامح سريعة ونقاط أساسية سنقوم بتوضيحها لمناقشة واقع حوار أوصراع الحضارات وأي النظريتين أنجح في توصيف الواقع المعاصر؟ ومن ثم ما هو حقيقة الدور المنوط بأمة الإسلام فيما سيأتي من الزمان في ضوء المتغيرات العالمية المتسارعة؟.

لكم منا خالص التحية وإلى لقاء قريب بإذن الله تعالى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تأسيس جيل النصر .. نور الدين زنكي نموذجًا

الإثنين 28 رجب 1425 هـ - 13 سبتمبر 2004 م

تعودنا أن تقف الأمة عد مفاصل التاريخ العظيمة، ولحظات الانتصار أو الانكسار الحاسمة، لتملأ ماضيها فخرًا عند الأولى، وتملأ الدنيا صراخًا وعويلًا عند الثانية.

لم نتعود بما يكفي أن نبحث عن الأسباب، عن المياه العذبة التي غذت الثمرة الناضجة، أو عن السوس الذي نخر جذع الشجرة الوارفة فسقطت.

لقد عانت القضية الفلسطينية من المشكلة ذاتها ...

منذ خمسة قرون والأمة في عامتها لا تعرف إلا صلاح الدين وفتحه لبيت المقدس، وكلما ذكرت فلسطين ذكر صلاح الدين.

بل كلما دعا داعي فلسطين للجهاد والبذل تمتم العجزة: رحم الله صلاح الدين .. لو خرج فينا اليوم صلاح لقادنا إلى النصر!! وهذا وهم، فقد كان صلاح الدين الثمرة .. فهل هناك ثمرة بدون شجرة؟ وهل هناك شجرة بدون جذور؟ وهل تنبت الجذور إلا من بذرة؟

فمن الذي ألقى بذرة الشجرة؟ ومن الذين تعهدها بالسقي والرعاية حتى أثمرت صلاح الدين؟

إن صلاح الدين لم يأت فجأة، لم ينزل معجزة من السماء، ولا كان ملكًا مرسلًا فرد جناحيه على الأمة فانقادت إلى النصر وحررت بيت المقدس.

من قبل صلاح .. كان هناك ألف صلاح .. بل ألف رجل أعظم قدرًا وأجل أثرًا من صلاح.

وحسبي أن أقف اليوم مع واحد من هؤلاء الذين مهدوا لصلاح الدين.

مع رجل كان ممن هيأ ـ بإذن الله ـ كل شيء لصلاح الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت