أن المسلمين حاولوا إدخالهم في الإسلام بالقوة عندما انضووا بادئ الأمر تحت الحكم الإسلامي، لما كان من الممكن أن يعيش المسيحيون بين ظهرانيهم حتى عصر الخلفاء العباسيين" (9) ،"ومن هذه الأمثلة التي قدمناها عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة، واستمر في الأجيال المتعاقبة، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح" (10) ،"لما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن وعسكر أبو عبيدة في فحل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: (يا معشر العرب أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا. ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا) ، وأغلق أهل حمص مدينتهم دون جيوش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم أحب إليهم من ظلم الإغريق وتعسفهم" (11) ،"أما ولايات الدولة البيزنطية التي سرعان ما استولى عليها المسلمون ببسالتهم، فقد وجدت أنها تتمتع بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة، بسبب ما شاع بينهم من الآراء اليعقوبية والنسطورية، فقد سُمح لهم أن يؤدّوا شعائر دينهم دون أن يتعرض لهم أحد، اللهم إلا إذا استثنينا بعض القيود التي فُرضت عليهم منعًا لإثارة أي احتكاك بين أتباع الديانات المتنافسة. ويمكن الحكم على مدى هذا التسامح ـ الذي يلفت النظر في تاريخ القرن السابع ـ من هذه العهود التي أعطاها العرب لأهالي المدن التي استولوا عليها، وتعهدوا لهم بحماية أرواحهم وممتلكاتهم وإطلاق الحرية الدينية لهم في مقابل الإذعان ودفع الجزية (12) "وقد زار عمر الأماكن المقدسة يصحبه البطريق، وقيل: إنه بينما كانا في كنيسة القيامة- وقد حان وقت الصلاة- طلب البطريق إلى عمر أن يصلي هناك، ولكنه بعد أن فكر اعتذر وهو يقول: إنه إن فعل ذلك فإن أتباعه قد يدعون فيما بعد أنه محل لعبادة المسلمين" (13) "وكان المسيحيون يؤدون الجزية مع سائر أهل الذمة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين" (14) ،"ولما كان المسيحيون يعيشون في مجتمعاتهم آمنين على حياتهم وممتلكاتهم، ناعمين بمثل هذا التسامح الذي منحهم"
حرية التفكير الديني، تمتعوا- وخاصة في المدن- بحالة من الرفاهية والرخاء في
الأيام الأولى من الخلافة" (15) ،"زار راهب دومنيكاني من فلورنسا ويدعى
طياته الدليل القوي على ما قامت عليه سياسة الحكومات الإسلامية بوجه عام من تسامح نحوهم" (18) ،"جلب الفتح الإسلامي إلى الأقباط في مصر حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان. وقد تركهم عمرو أحرارًا على أن يدفعوا الجزية، وكفل لهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية، وخلصهم بذلك؛ من التدخل المستمر الذي عانوا من عبثه الثقيل في ظل الحكم الروماني.. وليس هناك شاهد من الشواهد يدل على أن ارتداد الأقباط عن دينهم ودخولهم في الإسلام على نطاق واسع كان راجعًا إلى اضطهاد أو ضغط يقوم على عدم التسامح من جانب حكامهم الحديثين. بل لقد تحول كثير من هؤلاء القبط
إلى الإسلام قبل أن يتم الفتح، حين كانت الإسكندرية حاضرة مصر وقتئذ لا تزال تقاوم الفاتحين، وسار كثير من القبط على نهج إخوانهم بعد ذلك بسنين قليلة" (19) ."
هذه لمحات عن منطقة محدودة فحسب هي العراق والشام، ومصر إلى حد ما، من العالم الذي امتد إليه الإسلام وتعامل معه، فهنالك بلاد فارس وأواسط آسيا، وإفريقية، وأسبانيا، وجنوبي أوروبا وشرقيها، والهند والصين، وجنوب آسيا، مما تحدث عنه أرنولد فأطال الحديث.
(1) ينظر المرجع نفسه للإطلاع على المزيد من الشواهد.
(2) حضارة العرب ، ترجمة عادل زعيتر ، ط3 ، دار إحياء الكتب العلمية ، القاهرة
ـ 1956 م ، ص 336.
(3) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، ط5 ، مكتبة دار العروبة ، القاهرة ـ 1964 م ،
ص 29 ـ 30.
(4) المرجع نفسه ، ص 36 ـ 37.
(5) وهو الكتاب الرابع من دولة الإسلام في الأندلس ، ط2 ، مطبعة مصر ، القاهرة
ـ 1958 م.
(6) تاريخ العرب المطول ، ط4 ، دار الكشاف ، بيروت ـ 1965 م ، 1/ 301 ـ 302.
(7) المرجع نفسه 2 / 432 ـ 438 وينظر: ول ديورنت: قصة الحضارة ، ترجمة
محمد بدران وآخرين ، ط2 ، لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ـ 1964 ـ 1967 م، 13 / 131 ، وآرثر ستانلي تريتون: أهل الذمة في الإسلام ، ترجمة وتعليق د. حسن حبشي، ط2 ، دار المعارف ، القاهرة ـ 1967 م ، ص 170.
(8) الدعوة إلى الإسلام ، ص 65.
(9) المرجع نفسه ، ص 68.
(10) المرجع نفسه ، ص 69 ـ 70.
(11) المرجع نفسه ، ص 73.
(12) المرجع نفسه ، ص 74.
(13) المرجع نفسه ، ص 75.
(14) المرجع نفسه ، ص 79.
(15) المرجع نفسه ، ص 81.
(16) المرجع نفسه ، هامش 1 ، ص 81.
(17) المرجع نفسه ، ص 88.
(18) المرجع نفسه ، ص 98 ـ 99.
(19) المرجع نفسه ، ص 123 ـ 124.
حول الوحدة والتنوّع في تاريخنا
أ. د. عماد الدين خليل 4/10/1426
عندما تُطرح قضية التعدّدية في واقعنا المعاصر على بساط البحث، فإنها ستثير العديد من الأسئلة، قد يأخذ بعضها طابع التحدّي الذي يتطلب استجابة ما وينتظر جوابًا