ونعتبر أن غاية ما قدمه الكتاب ، أنه طرح القضية للمناقشة ، وفتح ملفها ، وقدم محاولة ، قد تكون ، نجحت في بعض سعيها ، وتعثرت في بعضه الآخر ، حيث يعوزها الاستدلال والتوثيق ، لتحقيق البعد المطلوب ، وهي محاولة لا تخرج عن سائر المحاولات ، والاجتهادات البشرية ، التي يجري عليها الخطأ والصواب ، ويؤخذ منها ويرد .. ويبقى المطلوب اليوم بشدة ، تضافر الجهود لإعادة استيعاب المنهج النبوي ، الذي يشكل المعيارية ، لما يؤخذ وما يرد ، والله من وراء القصد.
تمهيد
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد صلي الله عليه و سلم وعلى آله وصحبه وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد ..
فلقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ، وكرمه بفضله ، وأمده من علمه ، وجعل له عقلًا ، وسمعًا ، وبصرًا، وفؤادًا ، وسخر له الأرض ذلولًا ، والكون خدومًا ، ووهبه قوى التعقل ، والتدبر ، والنظر ، وأعطاه حياة ووقتًا . ثم كلفه برسالة الاستخلاف في الأرض . ولكن الإنسان وهو يتفاعل مع الحياة ومشكلاتها ، والكون وأسراره ، والتاريخ وسننه ، بحاجة إلى مرشد يبصره بطريق الحق ، ونور يدله على معالم الطريق ، إذ العقل البشري لا يقوى وحده على إدراك سنن الخير ، وسنن الشر ، ولا يقدر بوعيه المحدود على فهم خبايا الكون ، والحياة ، والتاريخ ، والوجود ، ولهذا فقد وهبه الله خيرًا آخر ، وفضلًا عظيمًا من أفضاله ذلك هو (علم النبوة) الذي انبثقت عنه مناهج الهداية التي حملها الوحي الأعلى إلى الأمم والشعوب كافة ، عن طريق الأنبياء ، والرسل صلوات الله عليهم أجمعين . إذن قد أمد الله سبحانه وتعالى الإنسان بمنهاج قويم ، ومسلك أمين ، يدله على سبيل الفوز المبين . ثم شاءت إرادة المولى تبارك وتعالى ، أن يختم علم النبوة بالرسالة المحمدية التي أعطت للاستخلاف مضمونًا عالميًا شموليًا ، وبعدًا دعويًا إنسانيًا هاديًا .
وفي الحركة الإسلامية الخاتمة ، تمكن نبي الإسلام صلي الله عليه و سلم من بناء حضارة توحيدية سامقة ، واستطاع أن يقدم للبشرية جمعاء ، نمموذجًا فطريًا لتغيير حضاري إنساني ، كون به إنسانًا استخلافيًا ، وثقافة إنسانية ، ومجتمعًا منسجما ، وتاريخًا عالميًا ، وحضارة متوازنة . والنبي صلي الله عليه و سلم وهو يواجه ظروف بناء الحضارة الإسلامية ، كان منضبطًا بمنهج تغييري ، يستمد وجوده ، ووعيه ، وأصوله من معيار الوحي الإلهي.
ولما كان أي بناء حضاري إنساني ، مفتقرًا في حدوثه إلى منهج تغييري يقوده نحو غاياته ، ومقاصده ، بخطوات منظمة وسليمة ، فقد استدعت العملية التغييرية النبوية وجود ذلك المنهج ، والمنهج النبوي في البناء الاجتماعي ، منهج فطري متوافق مع سنن الله في الخلق ، ومنسجم مع قوانين الدعوات الإنسانية.
من هذه الأهمية العظيمة للمنهج النبوي ، وقدرته على تركيب حضارة عالمية نموذجية ، تستجيب لقانون الفطرة العالمي ، برزت الضرورة الملحة لدراسته من وجهة نظر (حضارية سننية) تنفذ إلى محاولة وعي المنهج النبوي ، بغرض استدعائه ، ليساهم بقدرته الفائقة في حل معضلات الإنسان المعاصر وهو يستقبل عصر العالمية .
ففي هذا الجهد المتواضع جدًا ، حاولت أن أنبه إلى أهمية المنهج النبوي في البناء الحضاري الجديد ، وذلك لما للوعي بهذا المنهج ، من فقه بصير ، وإدراك عميق ، وفهم سديد لسنن الدعوات ، وقوانين النهضات ، ومناهج البلاغات ، ومقاصد الديانات ، وأخلاق السياسات ، وحاجات النفسيات ، ومتطلبات العقليات ، واستعدادات الشخصيات ، وثقافات الجماعات ، وسلوكات الأمم الناجيات ، وشرائع الرحمة الميسرات ، ففي المنهج النبوي ، سبل لهداية الناس إلى الأعمال الصالحات ، والأقوال الصائبات ، والعبادات الصحيحات ، والمعاملات النافعات ، والمواقف المرضيات .
لقد قسمت هذا الكتاب إلى تمهيد ، وثلاثة فصول ، وخاتمة . بسطت الحديث في الفصل الأول ، عن الإطار المنهجي العام ، الذي يجب أن يدرس فيه المنهج النبوي ، مركزًا على أهمية النظرة الكلية إلى السنة النبوية ، وإلى طبيعتها الحضارية ، مع إبراز بعض أبعاد المنهج النبوي ، كالبعد المقاصدي ، والبلاغي الدعوي ، والسنني ، وتدعيمها بنماذج ، ودروس من الفقه النبوي العملي.
أما الفصل الثاني ، فقد خصص لمعالجة قدرة المنهج النبوي على فهم ، واستيعاب الظاهرة التغييرية في العصر العالمي ، مع تحديد أسباب هذه القدرة ، ومحاولة اكتشاف منطقية السنة النبوية ، ومنهجها الاستدلالي . وبعد ذلك حاولت تحديد بعض الخصائص التي تطبع الواقع العالمي الراهن ، مع إعطاء نموذج تحليلي لقدرة المنهج النبوي على حل المأزق العالمي الراهن ، ومحاولة تحديد مفهوم إسلامي للتغيير الحضاري ، بجانب الإشارة إلى بعض الفهوم المزيفة للتغيير.
أما في الفصل الثالث ، فقد أثرت قضية من أهم قضايا الفكر الإسلامي ، وهي المنهج النبوي وقدرته على تركيب حضارة في العصر العالمي ، وهنا تطرق التحليل إلى بعض القوانين التي تحكم التغيير الاجتماعي ، ومنها قوانين التوجيه ، وفلسفة الانطلاق ، والثقافة . كما تم التنبيه إلى منهج الترشيد النبوي للحركة التغييرية ، وإلى محاولة استخراج معالم المنهج النبوي ، وطبيعة الإنسان الذي يريد هذا المنهج تشكيله ، وتقديم نموذج لإنسان الاستخلاف الذي بناه رسول الإسلام صلي الله عليه و سلم. ثم ختمت البحث ببعض الملاحظات المهمة.
لقد تم هذا العمل المتواضع في قسمه الأول ( المقدمات) ، بحول الله وتوفيقه ، وإنني لسعيد جدًا أن أشير إلى تلك الجهود التي بذلها أخي الأستاذ مصطفى عبد اللطيف حللي ، في سبيل إنجاز هذا الجهد البسيط ، الذي استفاد كثيرًا من نصائح ، وتوجيهات أخي العزيز الدكتور إبراهيم محمد زين ، الذي كان فعلًا مثقفًا مسلمًا متميزًا باهتمامه بقضايا الأمة ، حريصًا على مستقبلها ، عاملًا من أجل نهضتها . فقد عرضت عليه فكرة الكتاب في البداية ، فرحب بها ، وأبدى رأيه الذي أقدره كثيرًا ، ثم بعد أن أنجزته بحول الله وقوته ، أطلعته عليه مخطوطًا ، فطلب مني أن أقوم بنشره بسرعة . كما سعدت كثيرًا بترحيب البروفيسور الدكتور عبد المجيد مكين المفكر السيلاني المسلم بفكرة هذا الكتاب ، حيث أفدت كثيرًا من أفكاره ، وتوجيهاته القيمة. فجزى الله سبحانه وتعالى كل من ساهم في إنجاز هذا العمل ، من قريب أو بعيد.
كوالالمبور - ماليزيا
15/ديسمبر 1993م