الواقع أنَّ أمثلة هنتنغتون هي نماذج من تكوينات طائفية ـ دينية ـ وإثنية ـ وقبلية ـ كانت موجودة في عالم الحرب الباردة، بل في عالم ما قبل الحرب الباردة، وهذه التكوينات كانت جزءًا من نسيج اجتماعي ساد عوالم حضارية قديمة انتظمت في أطر من الجغرافيات السياسية والتاريخية. عالم الصين والهند، والعالم الإسلامي العثماني… هذه التكوينات الثقافية لم تتحول إلى عناصر صدام إلاَّ مع التفكك والتفكيك الذي حصل لها بفعل عوامل ذاتية وخارجية.
وماذا بعد ؟
الحديث عن صراع الحضارات لم يقتصر على الدائرة الفكرية في الغرب، ولم يبق - في أحسن الأحوال - في أدرج الاستراتيجيين وصناع القرار الغربيين كخيار مطروح، وظهر أنه ليس لعبة يتلهى بها الرأي العام الغربي في أطر مضبوطة تؤدي وظائف بعينها وكفى.
لقد كان الحادي عشر من سبتمبر الحدث الذي مزق الستار الشفاف الذي كانت تتخفى خلفه كتل الحقد العنصرية لتنجرف كالسيل حممًا وبراكين في فلسطين وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وليعبر عنصريو الغرب في فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وبلجيكا وهولندا عن حقدهم الدفين بكل أريحية وبدون وجل أو شعور بتأنيب الضمير، فالآخر الذي هو الإسلام، هو عدو لا بد من محاربته بدون رحمة !!
وبعد أن أخذت تجليات مقولة صراع الحضارات تتمظهر فاقعة وعلى صعد مختلفة تجاوزت من خلالها المقدمات لتبدأ نهشًا في المتن، والمتن ليس إلاَّ حضارتنا، حاضرنا ومستقبلنا فهل يكفي أن ندعو لحوار الحضارات في وجه سياسات تعرف تمامًا ماذا تريد، أم أنَّ الأمر يتطلب تطوير استراتيجيات دفاعية قد تكون أكثر فاعلية ؟
(الشبكة الإسلامية) إدريس الكنبوري *
فرضت ظاهرة العولمة نفسها بقوة في السنوات القليلة الأخيرة، وأصبحت الكلمة مؤشرًا على التغيرات التي يمكن أن تطرأ على صورة العالم والعلاقات بين الشعوب والحضارات والثقافات، فهل تتجه تلك الصورة نحو احترام التعددية أم نحو فرض المزيد من التضييق على الخصوصيات الثقافية لصالح ثقافة واحدة مهيمنة.
ورغم أن العولمة أو الكوكبة، حسب اختلاف الترجمة العربية للكلمتين الإنجليزية والفرنسية (Mondialisation ; Globalisation) لا زالت حتى الآن مجرد مصطلح لا يدل على واقع حقيقي ماثل، ولم تتشكل بعد في معطيات وحقائق على المستوى الدولي، فإن المقدمات الأولى لها أصبحت تشغل حيزا واسعا من الاهتمامات في صفوف الباحثين والمثقفين والمفكرين نظرًا لما تحمله هذه المقدمات من بذور تعطي صورة أولية للشكل النهائي للعولمة في أفق الأعوام المقبلة. ويبدو الإعلام الدولي والفضائيات إحدى هذه المقدمات المبشرة بذلك الشكل، فقد صار واضحا أن الإعلام يتوسع يومًا بعد يوم ويتوحد في الصورة والخطاب والرسالة الإعلامية، مما حوّل العالم إلى مساحة واحدة ممتدة تخفي الرسالة الإعلامية الموحدة تضاريسها المختلفة، أو إلى"قرية كونية"، حيث تتماثل المشاعر وردود الفعل بين أفراد دول المعمورة.
العولمة والثقافة
إن مسألة وضع تعريف دقيق للعولمة مسألة لا تخلو من صعوبة، ومرجع هذه الصعوبة إلى أن العولمة - كما سبقت الإشارة - ما زالت بعيدة عن التشكل في صورتها النهائية لتكون واقعا يستند عليها. كما ترجع هذه الصعوبة أيضا إلى أن ظاهرة العولمة متعددة المستويات، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية، وكل مستوى من هذه المستويات يقتضي تعريفا للعولمة مناسبا له. كما ترجع هذه الصعوبة في درجة ثالثة إلى الموقع الذي يتخذه الباحث في موقفه من ظاهرة العولمة، فبعضهم يغلب جانب التشاؤم على جانب التفاؤل، وآخرون يغلبون الجانب الثاني على الأول، وبعضهم الآخر يتخذ موقفا وسطا يقيس الإيجابيات والسلبيات.
ولعل أوسع التعاريف انتشارا للعولمة هو ما جاء في كتاب"العولمة"للباحث الأمريكي"رونالد روبيرثسون"، حيث عرف العولمة بأنها"اتجاه تاريخي نحو انكماش العالم، وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش" (1) . ويضع السيد ياسين ثلاثة عمليات تكشف حقيقة العولمة: العملية الأولى تتعلق بانتشار المعلومات بحيث تصبح مشاعة لدى جميع الناس، والثانية تتعلق بتذويب الحدود بين الدول، أما العملية الثالثة فهي زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات (2) .
أما الثقافة، فبصرف النظر عن عشرات التعاريف التي وضعت لها والتي تنطلق من مرجعيات فكرية وإيديولوجية تحاول تغليب مفهومها للثقافة، فيمكن تعريفها بإيجاز بأنها مجموعة العقائد والأفكار والطقوس والعادات والتقاليد التي تميز شعبا عن شعب آخر، وترجع إلى جذور دينية أو إثنية أو علمانية، الأمر الذي يعطي لجماعة بشرية أو مجتمع معين خصوصية معينة ثابتة ومستقلة عن خصوصيات الشعوب والجماعات الأخرى، وهذه الخصوصية الثقافية تزداد أهميتها إذا نظرنا إليها بوصفها"نتاجا تاريخيا يحمل عبر الزمن تصورات وآراء ومعتقدات، وأيضا طرائق في التفكير وأساليب في الاستدلال قد لا تخلو هي الأخرى من خصوصية" (3) .
ويقدم المرحوم مالك بن نبي تعريفا أكثر دقة للثقافة، إذ يقول:"إن الثقافة هي الجو المشتمل على أشياء ظاهرة، مثل الأوزان والألحان والحركات، وعلى أشياء باطنة كالأذواق والعادات والتقاليد، بمعنى أنها الجو العام الذي يطبع أسلوب الحياة في مجتمع معين وسلوك الفرد فيه بطابع خاص يختلف عن الطابع الذي نجده في حياة مجتمع آخر". ويرى ابن نبي:"أن الثقافة لا يمكن أن تقوم من دون المبدأ الأخلاقي الذي يحدد العلاقة بين الأشخاص مع بعضهم، وبينهم وبين عالم الأشياء والمفاهيم" (4) . فالثقافة إذن ليست مجرد الأفكار والسلوكيات والعقائد والعادات، بل هي إشعاع أخلاقي ونفسي يلقي بظلاله على الكون والحياة والمجتمع.
ثقافة بلا مبدأ أخلاقي
لا يخفى أن العولمة على مستوى الثقافة والإعلام والقيم الحضارية أصبحت الآن تتقدم زاحفة بوتيرة سريعة. فالعولمة الثقافية تبشر اليوم بتقارب الثقافات والخصوصيات والهويات واحتكاكها، تذوب معها الفوارق بين الثقافات، وتضمحل الحدود والأسوار، لكن مآل هذا التقارب والاحتكاك الثقافي ما زال حتى الآن غامضا وغير معروف، وإن كانت مقدماته حاضرة في حياتنا اليومية عبر وسائل الإعلام الناقلة للقيم الوافدة والثقافات الأخرى، وأبرزها الثقافة الغربية المادية والعلمانية التي تمجد قيم الاستهلاك والربح والأنانية والكسب السريع.