لقد تجاوزت السنة النبوية في وعيها للأزمة الإنسانية الراهنة ، العلوم الحديثة بقرون من الوعي ، والجهد المخبري الذي سيثبت في النهاية أن حل الأزمة الإنسانية وتأهيليها ، لتدخل العصر العالمي ، مشروط بعلمها (أنه الحق) ولهذا قال المولى تبارك وتعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (فصلت: 53) .
فحل الأزمة ينطلق إذن من عالم النفوس ، ويمتد في عالم المجتمع ، ثم ينتشر في عالم الثقافة ، وبعدها يدخل إلى عالم التاريخ ، ليتحول فيما بعد إلى منهج للسير في الأرض من أجل الاهتداء إلى السنن الإلهية . قال تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) (النساء: 26) .
وهذه هي رسالة السنة النبوية في حقل البناء الحضاري ، حيث تبين منهج كشف السنن ، وكيفيات تركيبها لتصبح ثقافة اجتماعية حية ، تتجسد فيها قيم الوحي ، ومعاييره ، ونظمه الحياتية المتنوعة ، والشاملة لحياة الناس الدنيوية ، والأخروية
منطقية السنة النبوية في التعامل مع الظواهر الاجتماعية
إن منطق السنة في التعامل مع الظواهر الاجتماعية منطق متميز ، أخذ قوته الاستدلالية ، ومنهجه البرهاني، من منهج القرآن الكريم ، الذي يمتلك حق النظر في الماضي ، والحاضر ، والمستقبل ، وفي كل غيب علمه عند الله سبحانه وتعالى ، ويتحكم في هذه الحركة بشكل مستوعب ، وصحيح لا ريب فيه مطلقًا. فهو صبغة الله ، ومن أحسن من الله صبغة. وعلى هذا فالسنة النبوية مثلًا عندما تتحدث عن ( قصص الأنبياء) ، فهي تكشف لنا عن تجارب حضارية عميقة وعن تركيب جوهري للحقيقة الدينية ، مع حوادث الكون ، والحياة . ومن هنا يكون لها القصص النبوي ، حق كشف السنن ، وتوجيه الناس إلى سنن الهداية . فعندما تعطي السنة النبوية حكمًا حضاريًا ، وتاريخيًا مضطردًا ، فإنما تأخذ حجتها من الموقف القرآني الكلي ، وتعتمد فيما وصلت إليه على استقراء كلي للمنطق القرآني في دراسته للظاهرة التاريخية .. وهذا مثال لذلك ، فقد ذكر رسول الله صلي الله عليه و سلم: (ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى في قلوبهم الرعب ، ولا فشا الزنا في قوم قط ، إلا وكثر فيهم الموت ، ولا نقص قوم المكيال والميزان ، إلا قطع عنهم الرزق ، ولا حكم قوم بغير الحق ، إلا فشا فيهم الدم ، ولا ختر بالعهد ، إلا سلط الله عليهم العدو ) .
لنحاول فهم الحديث في منظور منهجي معين . ولتسهيل التحليل نقسم الحديث إلى موضوعات: - ظهور الغلول (مرض اجتماعي) في مجتمع يؤدي إلى (أزمة نفسية) ، من مظاهرها: (إلقاء الرعب في القلوب) ، وهذا يؤدي بدوره إلى نتائج حاسمة في غير صالح المجتمع ، الذي يمارس هذه الأعمال . فالسبب مرض اجتماعي ، والنتيجة أزمة نفسية ، تجعل حياة الناس في قلق ، وفوضى ، وخوف ، وهذا صحيح ، ومعيش في حياتنا.
-فشو الزنا (مرض أخلاقي) في مجتمع يؤدي إلى (نتيجة كونية تدخل في إطار السنن التكوينية وتساهم في هلاك النسل) وهي حدوث الموت ، ومصداق هذا الحديث في هذه الأيام هو مرض (الإيدز) .
-نقص المكيال والميزان (مرض اقتصادي) يؤدي إلى (أزمة معاشية) هي انقطاع الرزق ، وهذ معناه هلاك الأموال.
-الحكم بغير الحق (مرض سياسي) يؤدي إلى (أزمة أخلاقية) هي التقاتل ، والتنازع ، وهذا سيؤثر في بقاء النسل ، ويساهم في فشو الدم الذي يخرب به العمران البشري.
-والختر بالعهد (مرض أخلاقي ونفسي) يؤدي إلى (أزمة حربية) وتقاتل وتسلط الأعداء ، وبالتالي الخوف ، وضياع الأمن ، وتعثر الاقتصاد ، وانهيار البلاد ، وهلاك مصالح العباد ، من حفظ للدين ، وللعقل ، وللنفس ، وللنسل ، وللأموال.
هذه الثنائيات التي يذكرها الحديث ، والتي تمثل سببًا ونتيجة ، ليست مذكورة على سبيل الحصر ، وإنما مجرد أمثلة بسيطة للسنن ، التي تتحكم في الظاهرة الاجتماعية في مستواهاا لاخلاقي ، والاجتماعي ، والسياسي ، والاقتصادي ، والتربوي ، والعسكري ، والعمراني ، والنفسي . أي أنه يمس كل حياة الناس ، ويرتب نتائج على أكثر من علم ، ومنهج وصعيد.
فالحديث يقدم منطقًا معينًا في فهم الحركة التاريخية ، والاجتماعية ، وبأمثلة تمس بعض جوانب الحياة الإنسانية ، والروح التي تسري في أحشاء الحديث هي الروح السننية . بمعنى أنه مبني على أسباب ، وقوانين ، وسنن مضطردة لا تتخلف في أي زمان ولا مكان ، في حالة توفر الشروط المحددة لكل قضية من القضايا المطروحة . ومن هذا المنطق بالذات ، استطاع النبي عليه الصلاة والسلام ، بحكمته ، وإحاطته بالأمور ، أن يخترق حدود الزمان ، والمكان ، ليقرر مسألة (الغثاء) التي تعيشها أمتنا اليوم . فهو ليس بالضرورة تكهن خرص ، وليس كذلك رجمًا بالغيب ، وإنما تبصر ، وفهم . فهو وعي للسنن الإلهية ، ولقوانين الحركة التاريخية ، وهذا هو المنطق الكلي الذي جاءت السنة النبوية لتثبيته في حياة الناس ، وتنبههم عليه ، بوعي ، ومن خلال تجارب عملية ، ومواقف بشرية ، صنعت أحداث قسم من التاريخ العالمي ، هو تاريخ الحضارة الإسلامية ، بكل ما تحمله من خصائص متميزة .
فلو تساءلنا مثلًا عن سبب فشو الغلول ، والزنى ، ونقص المكيال والميزان ، والحكم بغير الحق ، والختر بالعهد .. إلخ ، لوجدنا السنة النبوية المطهرة ترسم لنا وعيًا آخر ، على صعيد آخر من الأسباب ، والمنطق الاستدلالي ربما يهدينا هذا الحديث إليها:عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلي الله عليه و سلم: ( لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانًا . المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى ههنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم . كل المسلم على المسلم حرام: دمه ، وماله ، وعرضه ) .
فالحسد ، والتناجش ، والتباغض ، والتدابر .. أمراض نفسية ، وأخلاقية ، تؤدي إلى سلوكيات ، وأعمال للجوارح ، تؤثر في الحركة الاجتماعية بأكملها .. والبيع على بيع الأخر ، والظلم ، والخذلان ، والكذب ، والتحقير .. إلخ أمراض أخرى تصدر عن نفس مريضة ، وكل هذه الظواهر السقيمة هي التي تصنع الأزمة داخل المجتمع بعد أن تكون قد كونتها في النفوس ، وبالتالي يحدث الانهيار الاجتماعي . والرسول صلي الله عليه و سلم يشير إلى مركز الداء العضال ، منبهًا إلى مصدره ، ومؤشرًا على موقعه الحقيقي (التقوى ههنا) هناك في عالم القلب ، والفؤاد ، والعقل ، والنفس . ولهذا نجده في نفس الحديث ، يضع حدودًا أخلاقية لحفظ القلوب ، وتزويدها بالضابط الروحي ، والناظم الأخلاقي ، الذي يلهمها القدرة على الانسجام مع سنن الله في الخلق، (كل المسلم على المسلم حرام: دمه ، وماله ، وعرضه ) .