فهرس الكتاب

الصفحة 1879 من 1942

إن الإنسان جسم وعقل وروح وعواطف وأشواق، فإذا جرت العناية بالجسم فقط حصلنا على مصارع أو ملاكم أو عداء مثلًا، وإذا جرى اهتمامنا بالعقل فقط حصلنا على فلاسفة وعلماء، وقد تكون نهاية العالم على أيديهم، فيما يخترعون ويصنعون.

فإذا اهتممنا بالروح فقط فيمكن أن نحصل على جيش من الرهبان، وإذا اهتممنا بالعواطف والأشواق فقط فقد نحصل على شعراء أو فنانين.

فإذا اهتممنا بكل مكونات الإنسان، وبشكل متوازن، حصلنا على إنسان سليم متوازن، ومن ثم حصلنا على حضارة متوازنة تخلو من الانحراف.

إن الذي يصعب جحوده، هو ما قام به الغرب من جهود جادة لدراسة الإنسان وفهمه، ولكن العلة - في نظري - كانت متمثلة في فقدان المرجعية.. فالكل يبحث كما يشاء ليصل إلى ما يشاء، ثم ليناقض الكل الكل، ويهدم عالم الاجتماع وما يقوله عالم النفس وبالعكس.. أما المسلمون ولديهم المرجعية والمقدمات الأساسية لفهم الإنسان، فقد أهملوا ذلك، كما أهملوا الاشتغال بعمارة الأرض، وإقامة الحضارة، مع أن ذلك هو واجبهم، بعد عبادة الله تعالى.

وحتى لا نتهم بنكران الجميل، فإن الذين اشتغلوا بعلوم الإنسان وعلوم الحضارة كانوا في معظمهم ممن يقتنع بالمنهج الغربي، ويتولونه، ويثقون به تمام الثقة، وهم بذلك من الغرب وإليه، وإن كانوا منا دينًا ولغة ووطنية.

وبالمثل، فإن اليهودي والنصراني والمجوسي، الذي كان يكتب ويبحث - أيام كانت حضارتنا سائدة - كانوا أجزاء منها، لأنهم كانوا يخدمونها، وهي تخدمهم بما تقدم لهم من وسائل.. وكذلك - يمكنني الادعاء - بأن العربي والمسلم، الذي يشتغل باحثًا ومؤلفًا ومخترعًا في الغرب، هو جزء من حضارة الغرب وليس جزءًا منا.

إنه يستعمل المنهج الغربي، والعلم والتقنية الغربية، وحتى اللغة، ويعمل - وهذا المهم - لحل المشكلات التي تواجه المجتمع الغربي، وإن درس مشكلة من مشاكلنا فيدرسها منهجًا واستثمارًا للغرب، لا أقول هذا بهدف اللوم، ولكن تقريرًا للواقع، كما يظهر لي على الأقل.

وختامًا، أدعو للتمسك بالمرجعية في فهم الإنسان، والتعامل معه، وأريد أن تكون دراستنا مؤطرة بذلك كي نفهم الإنسان المسلم أولًا، ونستطيع النهوض به ثانيًا، فإذا تركنا هذه المرجعية فأي مرجعية نعتمد (42) .

إن فهم الناس عمومًا يتطلب معرفة بتاريخهم وجغرافيتهم وتركيبتهم السكانية، والمشاكل التي يعانون منها، وبدون ذلك فإن التعامل لن يكون ناجحًا.

في إفريقيا، حيث الفقر يضرب القارة السوداء ضربًا مخيفًا، تجعل الإفريقي يقدم أولاده إلى كوبا لتأخذهم وتعلمهم الماركسية وحرب العصابات، كما كان يقدم أولاده للدراسة في جامعة الكادحين في روسيا، دون معرفة بالنتائج ولا ما يدرس ولده.

في اليابان البلد الصناعي الفني، إذا قدمت كتابًا لشخص يحرص على دفع ثمنه، ولا يفهم سببًا لكون الكتاب بلا ثمن، ويرفض ذلك.

وإذا جَرّبْتَ مخاطبة الياباني باسم المشرق والعادات الشرقية، يقبل عليك، ولو طلبت منه أن يشهد أن لا إله إلا الله، ولا مانع لديه، ولكن الإنسان الغربي يرفض ذلك بنوع من التعالي، ويقول: إنه نصراني.

خامسا: الإنسان بين التقدم والتخلف

اعتادت بعض الأنظمة أن تصنف العالم إلى متقدمين ومتخلفين، وطبعًا اختارت لنفسها التقدم، ودمغت غيرها بالتخلف، وكان أبطال هذا التصنيف من أصحاب النظم الشمولية، ومن يقلدها في المشرق العربي.. ومعلوم أن الأنظمة الشمولية هي الأسوأ في العالم، قديمًا وحديثًا، وقد قدرت المصادر الغربية وأيدتها المصادر الشيوعية أن"ستالين"تسبب في معاناة خمسين مليونًا من شعبه بين قتيل وسجين ومشرد ومهجر.. وهذا العدد الهائل لم يعرفه العالم خلال قرون، ومع ذلك صنفت الشيوعية كنظام تقدمي، وصنفت جميع الأديان بأنها مورفين الشعوب.

في حوار مع أستاذ غربي يعمل في جامعة خليجية، قيل له: لقد دخلنا الأندلس باثني عشر ألف مقاتل، وخرجنا بثلاثة ملايين، وبعد أن أقمنا حضارة كانت ملء السمع والبصر، وبعد إقامة دامت سبعة قرون، ثم قمتم بحملة بربرية قتلتم الألوف ونصرَّتم بالقوة ألوفًا، وحين حاول السلطان العثماني سليم القانوني إجبار النصارى على الإسلام أو الرحيل، وقف الفقهاء في وجهه، ومنعوه من ذلك.

وحدث حين دخلتم القدس، وضعتم السيف في رقاب المسلمين حتى سالت القدس بالدماء، وحملتم من جماجم المسلمين الألوف وأرسلتموها"هدية"، فلما استرجع صلاح الدين القدس سمح لكم بالخروج ومعكم الأموال، فكيف تفسر ذلك؟

الجواب:

كل هذا صحيح لا جدال فيه، أما تفسيري فبسيط للغاية، فالإسلام يختلف عن النصرانية، وسلوك المسلمين يختلف بالتالي عن سلوك النصارى، ومن هنا جاء الاختلال، ولا بد من عودة للوراء، فحين راحت النصرانية تنتشر، وقف الرومان منها موقفًا معاديًا.. مدة ثلاثة قرون وربع، كانت العلاقة بين الدولة الرومانية والنصرانية في غاية التوتر، فكثر القتل والمطاردة والسجن. وفي عام (325م) حدث أن والدة الإمبراطور قسطنطين راحت تحثه ليتنصر وينصِّر الدولة، وقد باشر ذلك، فتوقفت عمليات القتل والمطاردة للنصارى، وشيئًا فشيئًا راحت الدولة تطلى بالنصرانية، لكن شيئًا لم يتغير من سياسة الدولة أو التشريع.

فقد جاء"الدين"متأخرًا جدًا، وكان يطلب الشرعية من الدولة، ولما حدث الصراع مع الكنيسة وانتصرت الدولة، طرحت العلمانية كحل وسط.. هذا من حيث التاريخ، أما التشريع فالإسلام عقيدة وشريعة، دين ودولة، ولم تكن النصرانية كذلك، فهي عقيدة وعبادة بدون شريعة.

الأمر الآخر جدًا، أن الإسلام كدين، سابق ومتقدم على الدولة، وقد أقام الدولة كما يريد، ولذا فالشرعية للدولة تطلب من الإسلام، وشرعية النصرانية تطلب من الدولة.

الحاكم فوق الكنيسة، والحاكم المسلم هو خليفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس أكثر، ولذا فهو شرعي ما رضي عنه الإسلام، فإن ابتعد سقطت شرعيته. الدولة في الإسلام خادمة للدين وليس العكس.

تبقى قضية النزاع في المجتمعات النصرانية، فقد كان ضد الكنيسة وتجاوزات رجالها، وأما النزاع في المجتمعات المسلمة، فضد الدولة وتجاوزاتها.. الدولة في الإسلام مدنية، محكومة بشريعة الإسلام، وفي النصرانية الأولى كانت كهنوتية، تستمد السلطة من الله، ولا يوجد من يحاسبها إلا الله.

ونظرًا لكل ما تقدم، وبعد إقامة في بعض الدول العربي قاربت عشر سنوات، خلصت إلى نتيجة: إن كثيرًا من سلوكيات المسلم، لا يرضى عنها الإسلام أولًا، وأن أقصر طريق لتقدم المسلمين هو الأخذ بالإسلام عقيدة وشريعة، وبطريقة جادة بعيدة عن الشكليات والطقوس الخارجية.

أما عن سبب اختلاف النصارى والمسلمين قديمًا، فقد كان يعود لأن الإسلام عقيدة وشريعة، وكان الفرد المسلم حريصًا لدرجة عالية علا الالتزام بأوامر الإسلام، أما النصراني فليس لديه شريعة، وما عنده من أوامر تتعلق بالمحبة والتسامح فلا وجود لها في ميدان التطبيق، لذا كثرت الحروب بين النصارى، وكل فريق تمكن من آخر سامه سوء العذاب، وما زالت المطاحنات في إيرلندا بين الكاثوليك والبروتستانت تذكرنا بانعدام التسامح وفقدان المحبة، مع ذكرهما في كل صلاة تقريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت