هكذا إذن وضعيه المجتمع الجاهلي ، التي امتدت في الحقيقة (أكثر من ألفي عام ، ابتداء من الجد الأكبر إسماعيل حتى محمد صلى الله عليه و سلم ، ولقد أثمر هذا التاريخ الطويل فنًا غنيًا ، وخلف تراثًا أدبيًا رفيعًا لا نظير له من بين الأمم الأخرى ، وتلك هي القائمة التاريخية للمجتمع ، خلال هذه الحقبة من الزمان ، ولو استخدمنا لغة الاجتماع لقلنا: إن هذا كل ما أثمره المجتمع الجاهلي ، كثمرة لنشاط استقطب حول(الحاجة) و (المنفعة) ، وبذلك نلاحظ أولًا أن هذا المجتمع لم ينتج كثيرًا ، مادام لم يخضع إلا لاتجاهات الحياة اليومية وقواعدها).
من هنا تشكلت الأمة الحقيقية للمجتمع الجاهلي في شقيها: الكوني والاجتماعي. ولكي تحل هذه الفاجعة الحضارية الكبرى ، يتطلب الأمر إحداث تغييرات جذرية في المجتمع الجاهلي ، ولن يتحقق هذا إلا بتغييرات جذرية في البناء الثقافي ، ولا يمكن تحصيل ذلك إلا بتغييرات جذرية في الإنسان ، ولا يمكن إجراء أي تعديل عقلي أو روحي أو سلوكي في حياة الإنسان ، إلا بعقيدة كونية معينة . وهذا هو العمل التاريخي الأساس ، الذي قام به رسول الإسلام صلى الله عليه و سلم.
المنهج النبوي في بناء الحضارة العالمية
النبي صلى الله عليه و سلم واجه قضية تركيب حضارة ، وبناء مجتمع انطلاقًا من واقع معين ، ولكي نفهمه بعمق ، علينا أن نتعرف على العناصر الأساسية التي ساهمت في تشكيل الظاهرة التغييرية الإسلامية، وهي:
-عالم العقيدة الإسلامية ، الذي أشرنا إلى جانب منه في التحليل السابق.
-المنهج النبوي في البناء الحضاري (مرتبط بالسنن ، وبمنهج السير في الأرض) .
-الإنسان القديم بمواريثه ، وأمراضه الكونية ، والاجتماعية.
-المجتمع الجاهلي ، بثقافته ، وتاريخه ، ومؤسساته.
-الجماعة المؤسسة للعمل التغييري الإسلامي (الصحابة) .
-القراءة (باسم ربك) كمعجزة حضارية ، وكمنهج تغييري.
فالقدرة على فهم هذه العناصر في سياقها الاجتماعي ، والعضوي ، هو الذي سيكشف لنا عن معالم المنهج النبوي ، في بناء الحضارة العالمية من خلال تقديمه لنموذج من نماذجها ، وهو المثل الكامل ، والقدوة الحضارية ، التي تمثل معيار البناء الحضاري الإسلامي.
فالمنهج النبوي في بناء النموذج الأول للحضارة العالمية ، ووضع برنامجها ، وتأسيس قواعدها ، وترسيم حدودها ، وصياغة منهجيتها ، وتحديد وجهتها ، وتعليم مقاصدها ، كان مبنيًا على أصول الوحي الأعلى ، الذي أدار العملية التغييرية ، حول الإنسان كفرد ، وكمجتمع ، وكأمة ، وكإنسانية ، وعلى هذا فدراسة الظاهرة التغييرية النبوية ، هي دراسة في منهج بناء الإنسان ، بما في ذلك فلسفة هذا المنهج ، ومشروعه ، وغاياته ، ومقاصده ، وأدواته ، وشروطه ، وأساليبه ، ومنهجيته ..
ومن هنا فسنحاول الآن إثبات بعض الملاحظات عن المعالم الكبرى للمنهج النبوي في بناء الإنسان
المحاور الثلاثة للمنهج النبوي
إن المتتبع لحركة التغيير النبوي ، يجدها قد سارت بتوافق تام ، مع سنن البناء الاجتماعي ، التي ترافق دومًا ميلاد المجتمعات الحضارية في التاريخ ، أعني أن جهد النبي صلى الله عليه و سلم مر بمراحل (الإنشاء الحضاري) الثلاث ، والتي سبق وأن أشرنا إليها في فصل سابق وهي:
-مفصل الربط الحضاري للإنسان بالرؤية الكونية الإسلامية.
-مفصل التثقيف الحضاري للمجتمع على المشروع الاجتماعي.
-مفصل البناء الحضاري للرؤية والمشروع في شكل واقع ثقافي وعمراني..
إن التحليل الاجتماعي ، والاستقراء التاريخي ، لحركة التغيير الاجتماعي ، التي ترافق نماذج التغيير الخاضعة لتوجيه نموذج فكري ، قد دلا على أن العملية التغييرية تمر بهذه المفاصل ، مع اختلاف منهجي في طبيعة الواقع المستهدف بالتغيير ، من حيث الوسائل ، والأدوات ، والكيفيات ، والتوجيهات الاجتماعية ، تبعًا للرؤية الكونية ، والإمكان البشري ، والفكري ، والمادي . فالتغيير الذي أجرته الحركة المسيحية على المجتمع الأوروبي ، وأدخلته بذلك إلى العصر العالمي الراهن يشبه التغيير الحضاري الإسلامي ، الذي أدخل المجتمع الجاهلي إلى عالم الحضارات في مفاصل التغيير ، أي في أنهما معًا قد مرا بمفاصل الربط ، والتثقيف والبناء . ولكنهما اختلفا في الأسلوب ، والفلسفة ، والمفهومية ، والوسائل ، المنهجية . فالتغيير الحضاري المعاصر ، الذي تسعى الحركة الإسلامية ، والحركة المسيحية إلى تحقيقه ، سيمر بنفس المفاصل التغييرية الثلاثة: الربط ، والتثقيف ، والبناء ، ولكن مع اختلاف جوهري في الفلسفة ، والمنهج ، وكذلك في اختلاف الوسائل ، والأدوات ، والتقنيات ، والكيفيات ، إذا قرناها بما كان عليه الوضع في حركة التغيير الإسلامي ، والمسيحي الأولي . فالعصر العالمي الراهن أحدث تغيرًا مهولًا في وسائل ، وتقنيات التغيير الاجتماعي ، تجب مراعاتها في أي تغيير جديد.
فالوعي الذي يجب أن تتمتع به القيادة التغييرية في حقل التغيير ، هو ضرورة علمها بأن عملية التغيير الحضاري في الطور الأول من أطوارها ، تشتمل على عوالم ثلاثة هي: عالم الربط الحضاري ، وعالم التثقيف الحضاري ، وعالم البناء الحضاري ، ولكل عالم من هذه العوالم شروطه ، ومتطلباته ، ومراحله ، ومناهجه ، ووسائله ، وأساليبه .. وكل إخلال بحاجة أي واحد منها ، سوف يؤدي إلى الفوضى ، والتصادم داخل الحركة التغييرية ، ناهيك عن مسارها الكلي ، وخاصة في المجتمع العالمي الراهن.
أولًا: المنهج النبوي وعالم الربط الحضاري
عملية الربط الحضاري للإنسان برؤية كونية معينة ، هي العمل التاريخي الأول في حركة التغيير الاجتماعي ، الهادفة إلى بناء ثقافة .. وعملية الربط أول ما تتحرك ، فإن وجهتها ، تكون نحو الإنسان ، إذ هو غايتها الأساسية ، وساحتها الكبرى.
ولهذ السبب كان التوجيه القرآني حاسمًا في التنبيه على الساحة المركزية للتغيير الاجتماعي الأصيل ، وهي الساحة النفسية بمفهومها الشامل: قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد:11) .
فهذه الآية تحدثت عن ضرورات خاصة بفهم الرؤية الكونية عمومًا ، وتحدثت عن ضرورات خاصة بالمجتمع ، وسلوكه الاجتماعي (سلبًا وإيجابًا) .. كما تحدثت عن ضرورات خاصة بالمنهج التغييري .. والذي يهمنا منها في هذا التحليل هو الشق الذي أشار إلى تغيير ما بالنفس ، والذي سنبحثه من وجهة نظر النموذج التغييري النبوي.
ففي مفصل الربط الحضاري ، جاهد الرسول صلى الله عليه و سلم من أجل (ربط) النفوس والعقول بالخطاب الإلهي ، وأتاح لها فرصة الاستجابة لتوجيهات الوحي الأعلى .
مفهوم الربط الحضاري:
إذا ما حاولنا البحث عن كلمة الربط ، ومشتقاتها من خلال النصوص القرآنية نجدها وردت في عدة مواضع هي: (وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ) (الأنفال: 11) . (إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ) (القصص: 10) . (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهًا لقد قلنا إذًا شططا ) ( الكهف: 14 ) . (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) (آل عمران: 200) . (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) (الأنفال: 60) .