فهذا الغياب للرؤية الكونية ، هو الذي أنتج (إنسان الفراغ الكوني) الذي لا يملك أجوبة مقنعة ، وصحيحة ، عن التساؤلات الكونية الكبرى ، التي لا تستقيم الحياة البشرية بدونها.
المعالم الكبرى للمذهبية التوحيدية
فالمذهبية التوحيدية التي غير بها رسول الإنسانية صلى الله عليه و سلم وجه التاريخ الجاهلي ، وبنى بها حضارة الإسلام السامقة ، تتشكل من منطلقات أساسية سنحاول إثباتها في هذا العنصر دون شرحها - وذلك بسبب طبيعة البحث ، ومنهجيته الحالية - وهي:
-التوحيد كأساس مفاهيمي ، وتشريعي ، ومعرفي.
-الإيمان والتصديق بوحدة بعث أنبياء ورسل لكل الأمم بدون استثناء ، قال تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) ( فاطر:24) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بالملائكة .
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة مضمون البلاغ الرباني للناس كافة (عبادة الله ، وتعبيد الناس له) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بالوحدة المصدرية للبلاغ والوحي (المولى تبارك وتعالى) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة جهل الغيب الإلهي ، من قبل البشر.
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة القضاء و القدر خيره و شره.
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة نصرة الله للأنبياء والمرسلين ، ولعباده الصالحين.
-ضرورة الإيمان والتصديق بأن الأرض يرثها الصالحون.
-ضرورة الإيمان والتصديق بالوحدة المصدرية للخلق والكون والحياة (الله سبحانه وتعالى) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بالوحدة الابتدائية للخلق.
-ضرورة الإيمان والتصديق بالوحدة الهدفية للخلق (الاستخلاف) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بالوحدة التشريعية للخلق (الله هو المشرع الحقيقي) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بالوحدة التكريمية للإنسان (كل البشر بدون استثناء) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة الفطرة ، والإرادة البشرية (في اختيار الخير والشر) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة المسؤولية الفردية للناس عن أعمالهم أمام الله سبحانه وتعالى.
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة الرزق الإلهي للمخلوقات كافة.
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة التسخير الكوني (الكون المادي) للناس كافة.
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة التسخير السنني (الكون السنني) لكل البشر.
-ضرورة الإيمان والتصديق بالوحدة المصيرية للخلق ، (الموت والرجوع إلى المولى تبارك وتعالى) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة بعث الخلق بعد الموت.
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة الحساب الإلهي ، للناس.
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة الجزاء الإلهي ( الجنة والنار) .
-ضرورة الإيمان والتصديق بوحدة العدل الإلهي.
ثانيًا: الرؤية الاجتماعية:
عندما نتأمل المشكلة السابقة من منظور عالم اجتماعي ، تبرز لنا أحد الجوانب الأخرى للأزمة الجاهلية . الجانب الذي يصلنا مباشرة بعالم الممارسة اليومية ، والحركة الواقعية للإنسان الجاهلي في ظل الثقافة الجاهلية . الثقافة الأرضية العاجزة عن السمو إلى مستوى الوعي التوحيدي . فالظاهرة الجاهلية من هذه الزاوية ترسم لنا صورة أخرى ، من صور المأزق العقائدي ، الذي كان وراء محنة الجاهلية . فالإنسان هناك كان سلبيًا لجملة من الأهداف كرس ذاته ، وحياته ، وطاقته ليحققها . فكل قدراته الذهنية ، والجسدية ، والمادية موجهة لخدمة هذه الغاية ، والدافع الأساس الذي كان وراء حركة الجاهلي ، والمبرر المعقول بالنسبة إليه ليتحرك بالشكل السلبي ، الذي أشرنا إليه ، وهو تلك الأهداف التي سنتعرف عليها من خلال هذين المثالين:
المثال الأول:
ففي مقالة جعفر بن ابي طالب للنجاشي في أعقاب حوادث الهجرة الأولى إلى الحبشة قال: (يا أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي الضعيف) .
المثال الثاني:
في مقالة مبعوث الكفار عتبة بن ربيعة لرسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (يا ابن أخي إذا كنت تريد بما جئت به من هذا مالًا ، جمعنا لك من أموالنا ، حتى تكون أكثرنا مالًا ، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا ، حتى لا نقطع دونك ، وإن كنت تريد به ملكا سودناك علينا) .
يبدو أن هذا البيان المختصر عن حالة المنطق الجاهلي ، يستطيع أن يقدم لنا على الأقل الصورة الأساسية لطبيعة الحياة الجاهلية ، وملامح فلسفتها الاجتماعية . فالبشر هناك من الوجهة الاجتماعية ، يعانون من خلل ، جعلهم رهائن (دائمين) لجملة من الأهداف السلبية ، التي لم تتح لهم فرصة تفتيق طاقاتهم ، وتسخيرها في خدمة رسالة معينة ، ترتفع قليلًا أو كثيرًا عن الفلسفة الأرضية المغرقة في المادية ، والظلم الاجتماعي . لقد حصر الاجتماع الجاهلي نفسه في سجن (الاهتمامات البسيطة) المتوارثة ، عن أجيال الفراغ العقائدي . ويبدو كأن خلاصة أمراض الجاهلية الإنسانية ، وجدت لها مكانًا آمنًا للتعشيش ، والبيض ، والتفريخ ، والنمو في ذات الجاهلي . فالجاهلي يقدم لنا أزمة مثلثية الشكل ، تشتمل على ثلاث زوايا:
-زاوية الهوى والاشتغال بالعرض الدنيوي الزائل.
-وزاوية عبادة الأصنام ، والإعراض عن الحق تبارك وتعالى.
-وزاوية الجمود العقلي (الآبائية) والركود الثقافي .
قال تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا ) (الفرقان: 43) (أتعبدون ما تنحتون ) (الصفات: 95) .
ولو استعملنا اللغة الاجتماعية ، للتعبير عن الأزمة الجاهلية ، لوجدنا بأن هذه (الأهداف البسيطة) لا تقدم مشروعًا اجتماعيًا متكاملًا ، لتوجيه الطاقة الحيوية للمجتمع ، كيما تتحرك على خط التحضر ، والتثقيف ، تبعًا لإيديولوجية معينة . ولهذا فالمجتمع الجاهلي ، انعدمت فيه الفعالية الحضارية ، وبالتالي فقد القدرة على التأثير في حوادث العالم ، التي كانت تمر بهدوء يخدر النائمين ، بعيدًا عن كونه الجغرافي والفكري ، هناك في ديار الحضارة الفارسية ، والرومانية ، حيث كانت تصنع الظاهرة الحضارية ، استجابة لعقيدة تلك المجتمعات . وسوف نرى بعد مدة غير طويلة ، من تحرك النبي صلى الله عليه و سلم ، كيف أصبحت المنطقة السابقة ، محطة لبناء حضاري عظيم ، استقطب أنظار الحضارات القائمة ، وهد فيما بعد أركانها من الأساس.
إن الناس في المجمع الجاهلي ، كانوا يستبسلون في دوامة أهداف بسيطة ، دلّ (علم السير في الأرض) أنها هي التي أغرقت كل الحضارات القديمة ، تلك الحضارات التي كانت تقدس أشباه الأرباب الأرضيين، وخير مثال نسوقه هنا هو نموذج المجتمع الفرعوني القديم .. ونفس هذه النزعة سوف تهلك الفراعنة الجدد للعالم .. فراعنة (الاستعمار الديمقراطي) ، والمجتمع السوفياتي القديم المعاصر ، مثال آخر .. وتلك هي سنن الله في الاجتماع البشري.
إن الأهداف البسيطة لا تمتلك الروح الدافعة ، التي تخلق للناس اهتمامات ترتفع بهم فوق وجودهم الأرضي الزائل ، وتربطهم بالواقع الرباني المتسامي ، الذي يستلهمون منه (النفس الحضاري) الممكن في الأرض.