ثم فض الاشتباك بين الحكومات وشعوبها، فالحكومات عليها ألا تأخذ الناس بالتهم وعليها أن تتصور أن كل متدين ليس متطرفا، وعليها أن تصون الشاب من أول الطريق فتقدم له علما سويا وعملا وتحسن إليه وتشعره بآدميته. وعلى الحركات الإسلامية في ذلك أن تؤمن أن الإصلاح ليس بالوثوب على السلطة وأن المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، وأن الإساءة لصورة الإسلام جزء منها وارد من الخارج والجزء الآخر صنعناه بأنفسنا. وعليهم أن يعرفوا أن الناس يريدون اللين في الدعوة والمعاملة والله يقول [فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك] .
ثم يجب فض الاشتباك بين الحركات الإسلامية وبعضها لتكون قوة مضافة للإسلام وللدعوة الإسلامية ولا تفتن المسلمين في دينهم وتكون عامل توحد بين المسلمين.
معايير لمصداقية الحكم الإسلامي
إن قضية حاكمية الشريعة قد كثر اللغط حولها، وتم التخويف بها على نطاق واسع. ونحن نؤكد أن هناك معايير أو مقاييس لمصداقية الحكم الإسلامي إذا وجدت كان الحكم إسلاميا، وإذا لم توجد لم يكن الحكم إسلاميًا. وإذا وجد بعضها وفقد الآخر فإنه يكون إسلاميًا بقدر ما وجد وغير إسلامي بقدر ما فقد.
والمعيار الأول: هو أن يكون الهدف هو إعمار الأرض، أي إقامة المصانع وزراعة الأرض والنهضة بالصناعة والتجارة، وتيسير الخدمات والرعاية ونشر التعليم الخ .. أو كما نقول تحقيق رخاء الفرد ورفاهيته.
والمعيار الثاني: أن يكون المناخ هو الحرية الواسعة بكافة أنواعها.
والمعيار الثالث: أن يكون المحور هو العدل الذي هو 'بصمة الإسلام' لو كان للأديان بصمات. ولأن الغرض الأسمى من الحكم هو تطبيق العدل. ليس فحسب لما هو مفهوم بداهة- ولكن أيضًا لأن العدل هو الحق مطبقًا. والحق هو الذي أقام الله تعالى عليه السموات والأرض وأنزل كتبه، وأرسل رسله له.
والمعيار الرابع: هو أن تكون الشورى وسيلة اتخاذ القرار، وفي الإسلام ما هو أقوى من الشورى وهو حق مساءلة الحاكم إلى درجة عزله.
وأخيرًا نأتي إلى المعيار الخامس والأخير وهو: أن يكون الحكم رسالة وليس مغنما أو وسيلة لاكتساب الجاه والسيطرة واستبعاد الجماهير والشعوب كما كان منذ أن ظهر الملوك والأباطرة والقادة العسكريون من الحكم الفرعوني حتى الإمبراطورية الرومانية.
السقوط الحر
الثلاثاء 29 المحرم 1427 هـ -28 فبراير 2006 م
محمد عادل
مفكرة الإسلام: كشفت السنوات الأخيرة بوضوح أن الإسلام يمثل عقبة أساسية أمام مشروع الهيمنة الأمريكي وأن العالم الإسلامي بات بما يمتلكه من رصيد فكري وثقافي وحضاري على رأس التحديات التي تواجه مشروع السيطرة الأمريكية على العالم.
ويبدو أن التصورات والحلول المقترحة للتغلب على هذا العائق وزحزحته لإفساح الطريق أمام المشروع الأمريكي متنوعة لدى مخططي الإدارة الأمريكية ويجمعها مساحة مشتركة تصب في أهمية تغيير شكل الواقع في دول العالم الإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص.
والمتأمل في السياسة الأمريكية في المنطقة يلمح شواهد إثبات على الرغبة الأمريكية الملحة في تغيير الأنظمة في المنطقة العربية التي تمثل مركز العالم الإسلامي بعد أن أصبح الكثير من تلك الأنظمة بصورتها القديمة - التي سئمتها الشعوب - غير مهيأ للعب الدور المطلوب والمشاركة في رسم ملامح الصورة الأمريكية للشرق الأوسط، وباتت تتعارض مع طبيعة المشروع الجديد الذي يحمل 'الديمقراطية' الأمريكية المفصلة للمنطقة, ومن ثم فقد انتهت المرحلة التي يمكن أن تلعب فيها دورًا يتوافق والمصالح الأمريكية.
ولأن المنطقة باتت على حافة الانفجار الكبير بسبب حالة الاختناق السياسي والتأزم الشعبي؛ ما ينذر بتغيرات سياسية كبيرة قد تسير في اتجاه عكسي يتصادم والمصالح الأمريكية، فكان من الملح أن تستبق أمريكا وتأخذ هي بمبادرة التغيير وتُسارع إلى الإمساك بخيوطه وتروج لذلك إعلاميًا للاحتفاظ بأوراق اللعبة بيدها بالكامل، لتتصرف كيف تشاء حسب الرؤية والمصلحة الأمريكية، محاولة في الوقت ذاته إيهام شعوب المنطقة - والتي تسعى للتغيير - بأن التغيير المرتقب قد تحقق بفضل المبادرة الأمريكية.
لذا فقد دأبت دوائر الفكر ومراكز التخطيط الاستراتيجي على وضع الحلول البديلة للواقع السياسي الحالي في الشرق الأوسط، وبناءً على ذلك رفعت الإدارة الأمريكية شعار التغيير والإصلاح, وكان ذلك متزامنًا مع تبنيها لمبادرة 'الشرق الأوسط الكبير'، والذي يبدو أنه سيحمل وفقًا للمفهوم الأمريكي ملامح مختلفة لأنظمة جديدة.
ولأن تغيير المنطقة وعلى رأسها الأنظمة لا يتم بما يتوافق مع المصالح الأمريكية إلا بتغيير الشعوب, فكان لزاما أن يُخطط وعلى محور مواز ٍ لتغيير الواقع العربي الذي برغم فقده الكثير من مقومات صموده الحضاري إلا أنه ما زال يدافع المشروع الأمريكي بالمنطقة ويعوقه.
-وسواء كانت الرؤية حول طبيعة التغيير المنتظر تقوم على البندقية والدبابة والصواريخ الذكية، أم سيكون الدور الأساس في هذا المخطط لأسلحة الغزو الحضاري والثقافي المغلفة بغلاف أمريكي من أمثلة - 'العولمة' و'حوار الأديان' و'الحرية' و'الديمقراطية' وغيرها الكثير في الجعبة الأمريكية - فإننا يمكن أن نتلمس ومن خلال تصريحات مسئولي الإدارة الأمريكية والسياسات التي بدأت أمريكا تطبقها بالمنطقة أهم ملامح هذا المخطط الهادف لتغيير الأنظمة والشعوب, والذي يقوم في أساسه على سياسية 'الاستبدال' التي تتمثل أهم محاورها في:
-استبدال الحالة السياسية المتأزمة في الدول العربية 'بالديمقراطية الأمريكية المفصلة' التي تحوي صناديق اقتراع خاوية إلا من أصوات مؤيديها، وحرية تتسع لتشمل جميع الأطياف سوى منتقدي سياساتها، ودستور يكفل التبادل السلمي للسلطة لكن بدون تجاوز للخطوط الحمراء والتي لا تعطي أمريكا الحق لغيرها في رسمها، والواقع السياسي العراقي القريب خير شاهد على ذلك.
-استبدال الأنظمة القمعية والتي سقطت في أعين شعوبها، -وسواء كان الاستبدال قائمًا على تغيير فعلي للنظام ورموزه أم الإبقاء على الأنظمة القابلة لتغيير أفكارها وسياساتها بما يتواءم والدور الجديد والمحدد أمريكيًا - ففي كلٍ فإن البديل المنتظر لابد أن يكون أنظمة هزيلة تفتقد لأدنى درجات الاستقلالية، ولا تحمل أي طموح وطني أو قومي - فضلا عن أن يكون إسلاميًا - ينهض لمقاومة المشروع الأمريكي.
-استبدال الواقع الثقافي للبلدان العربية القائم في كثير من أدبياته على الثقافة الإسلامية بما تحويه من معاني التميز والعالمية والهيمنة والصمود، والرافض للكثير من مفردات الغرب الثقافية والتي تصطدم بالثوابت والهوية العربية، بآخر يغلب عليه لغة 'السلام' و'التعايش'و'الحداثة' والعولمة'، وبالطبع بالمفهوم الأمريكي لتلك المصطلحات.