فهرس الكتاب

الصفحة 1705 من 1942

وهذا يعني أن الإنسان - بما حصله حتى الآن من علم بسنن الطيران - قد تجاوز سرعة الجن ( أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ) وسوف يواصل الإنسان - بإذن الله - رحلة بحثه هذه حتى يقترب أكثر فأكثر من تحقيق السرعة القرآنية الأخرى ( أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) التي بدأنا نلمح بعض تباشيرها فيما توصل إليه حتى الآن ، من اختراعات فذة في مجالات الاتصال اللاسلكي ، إذ أصبح التلفزيون مثلًا قادرًا على نقل الأحداث إلينا لحظة حدوثها في أية بقعة من بقاع الأرض ، أو الفضاء البعيد .. كما أن وسائل الاتصال الإلكتروني يسرت لنا اليوم نقل الرسائل المكتوبة عبر الهاتف فيما يعرف بـ (الفاكسميلي) وهذه كلها بعض تباشير تحقيقنا لتلك السرعة القرآنية التي أشرنا إليها!

ونعود من جديد إلى رحاب القرآن الكريم الذي لا تنتهي عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ، لكي نتوقف عند هذا البيان المعجز في قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب أن آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) (النمل: 40) فإن هذه الآية لم تبين لنا شخصية ذلك الذي (عنده علم من الكتاب) أبشر هو أم جني ؟! وهي لفتة جديرة بالتأمل ، وأن نقف عندها طويلًا ، ونجعلها مع الإشارة السابقة إلى (الكتاب .. بهذا اللفظ المعرف المبهم !) دليلًا قويًا على وظيفة العلم في عملية التسخير .. وكأن الآية الكريمة تريد أن توحي لنا بأن العلم ما هو إلا (كتاب) مبثوثة حروفه وكلماته في أرجاء هذا الكون الفسيح ، وما على الذين يريدون الاستفادة مما في هذا الكتاب إلا أن يحسنوا القراءة فيه .

وهم - بطبيعة الحال - لن يحسنوا القراءة أبدًا إلا أن يسيروا في الأرض بقلوب مبصرة ، ونفوس تواقة للمعرفة ، على هدي التوجيه الرباني الحكيم (قل انظروا ماذا في السموات والأرض ) ( يونس: 101) ، لكي يتفكروا في السنن التي تحكم هذا الوجود ، ويستجلوا حقيقتها في الآفاق وفي أنفسهم ، ثم يعملوا على تسخيرها كما أمرهم بذلك رب العزة سبحانه ! وبهذا المنهج يمكن أن نهتدي - بإذن الله - إلى السنن التي على نهجها تسير الحياة .. وهذا هو الطريق الصحيح للوصول إلى ( العلم ) الحقيقي الذي سوف يحقق لنا في المستقبل ما نراه اليوم مستحيلًا !

3 ( مفاهيم في ضوء سنة الله في الخلق ) - - علم الغيب

* الغيب: خلاف الشهادة .

* وكل ما غاب عن إدراكنا فهو غيب بالنسبة لنا .

* والغيب غيبان:

أ - ( غيب مطلق ) ويشمل كل المغيبات المتعلقة بالعالم الآخر ، وهذا النوع من الغيب يمكن أن نعلمه علمًا يقينيًا عن طريق واحد لا ثاني له ، وهو طريق الوحي الثابت الصحيح ..

ب - ( غيب نسبي ) ويشمل المغيبات في عالم الشهادة التي تتعلق بالماضي أو بالحاضر ، وهي مغيبة عنا إما بسبب وجود مانع يحول دون علمنا بها ، أو لأن الوسائل التي بين أيدينا لا تسعفنا في الكشف عنها ، وهذا النوع من الغيب يمكن أن نتوصل لمعرفته بصورة يقينية قاطعة ، بوسائلنا الخاصة .

ومن المعروف أن الإنسان تطلع منذ وقت مبكر من تاريخه إلى عالم الغيب ، وتثبت سجلات التاريخ أن الإنسان قام بمحاولات كثيرة جدًا لكي يستشف آفاق المستقبل ، وتشير الآثار القديمة ، وبعض الأساطير والحكايات إلى تلك المحاولات ، التي لا نشك أبدًا أنها باءت بالفشل لأنها اعتمدت على الظن أو الخيال ، ولم تلتفت إلى دور العلم في هذه المسألة.

ولقد سبق الحديث عن أن العلم يعني المعرفة اليقينية بالسنن الربانية ، التي تحكم ظاهرة من الظواهر الكونية ، وأن السنن ذاتها تقوم على أساس أولي من ارتباط العلة بالمعلول ، أو ارتباط النتيجة بالسبب ارتباطًا لازمًا ، وهذا يعني أن اجتماع أسباب معينة يؤدي إلى نتيجة معينة بإذن الله .. وانطلاقًا من هذه الحقيقة ، يمكن أن يكتسب الإنسان قدرة ما على التنبؤ بأمور مغيبة عنه ، فعندما تتوافر لديه مجموعة من القرائن أو المقومات أو الأسباب ، فإنه يمكن أن يتنبأ بالمغيبات ، التي ترتبط بها من النتائج ، كأن يتنبأ مثلًا بهطول المطر عندما تتراكم الغيوم في السماء ، وتتهيأ الظروف الجوية المواتية ، أو يتنبأ بحدوث زلزال عندما تشير أجهزة الرصد الجيولوجية إلى حدوث تحركات في طبقات الأرض ، أو يتنبأ بإصابة إنسان ما بمرض معين ، بعد تعرضه للعدوى من مصدر معروف .. وهكذا .

إلا أن تنبؤ الإنسان على هذه الصورة يبقى ناقصًا لسببين اثنين:

أ - لأن هذا التنبؤ قابل للخطأ والصواب ، بمقدار ما يكون الإنسان قد عرف من شروط وظروف الظاهرة التي يحاول التنبؤ بما وراءها .

ب - لأن هذا التنبؤ ليس أوليًا ، أي أن الإنسان لا يعلم الغيب علمًا أوليًا بلا مقدمات ، بل هو يتنبأ اعتمادًا على أساس ارتباط النتيجة بالسبب ، ولهذا تبقى نبوءته ناقصة .. فهي ليست كعلم الله بالغيب ، لأن علم الله عز وجل هو علم أولي تام لا يدانيه الخطأ أبدًا ، ولا يقف دونه مانع ، فهو علم غير مرتبط بزمان ولا مكان ولا أسباب ، فالله سبحانه يعلم ما كان ، وما هو كائن ، وما سوف يكون (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (الأنعام: 59 ) ، ولا عجب ، فالله عز وجل هو الذي خلق الخلائق كلها، وقدر الأسباب والنتائج ، وأحاط بكل شيء علمًا (عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) (سبأ: 3) .

ويرجع اهتمامنا بالبحث في العلاقة ما بين سنن الله في الخلق وبين معرفة الغيب ، إلى أن هذه العلاقة يمكن أن تمدنا بقدرات باهرة لم نكن نملكها من قبل ، وتفتح أمامنا آفاقًا لم تكن مفتوحة .

ومما لا ريب فيه أن الإنسان عندما بدأ الاهتمام بالبحث العلمي ، واكتشف أن مخلوقات الله جميعًا تخضع لسنن ثابتة مطردة لا تتخلف ، قد اكتسب من خلال ذلك رؤية جديدة للعالم ، الذي يعيش فيه ، فراح على ضوء رؤيتة الجديدة هذه ، يتعامل مع الكون تعاملًا أكثر إيجابية وفعالية ، إذ أمدته معرفته بسنن الله بقدرات إضافية ، أعانت على التنبؤ بوجود ظواهر ومخلوقات ، لم يكن يعلم عن وجودها شيئًا من قبل .. ولعل خير مثال على هذا ما حدث مع العالم الروسي الشهير (مندلييف) الذي وضع الجدول الدوري للعناصر الكيميائية عام 1869م .. فقد لاحظ هذا العالم أن ذرات العناصر التي كانت معروفة في زمانه تتركب وفق نظام ، أو سنة معينة ، اذ يتعقد تركيبها بالتدريج واحدًا بعد الآخر ، فقد وجد مثلًا أن أبسط العناصر هو ( الهيدروجين ) وتتركب ذرته من نواة فيها بروتون واحد ونترون واحد ، ويدور حولها بروتونان يدور حولهما الكترونان .. وهكذا يزداد تركيب العناصر تعقيدًا واحدًا بعد الآخر إلى نهاية الجدول ، وفق سنة مطردة تدل على النظام البديع الذي ركبت الذرات على أساسه .

وقد درس مندلييف العناصر الكيميائية التي كانت معروفة في زمانه ، ثم رتبها في جدول بحسب تركيبها الذري ، من الأبسط إلى الأكثر تعقيدًا ، فلاحظ خانات في الجدول ظلت فارغة ، ولما كان مندلييف واثقًا من وجود قانون صارم ( أو سنة ) يحكم تركيب هذه العناصر وفق نظام مطرد ، فقد استدل من هذه الخانات الفارغة على وجود عناصر في الطبيعة ، لم تكتشف بعد ، وبعد دراسة عميقة ، وبحث شاق استطاع مندلييف ، أن يقدر بعض صفات العناصر المغيبة ، وقام بوضع تقرير مفصل عنها ذكر فيه خصائصها ، التي تنبأ بها بناء على موقعها من الجدول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت