فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 1942

نحن اليوم في مثل هذا الموقف بكل ملابساته، وكل سماته. مع الجاهلية كلها من حولنا.. فلا يجوز- من ثم - أن ينقصنا اليقين في العاقبة المحتومة. العاقبة التي يشير إليها كل شيء من حولنا. على الرغم من جميع المظاهر الخادعة التي تحيط بنا!

إن حاجة البشرية اليوم إلى هذا المنهج، ليست بأقل من حاجتها يومذاك .. وإن وزن هذا المنهج اليوم - بالقياس إلى كل ما لدى البشرية من مناهج - لا يقل عنه يومذاك ..

ومن ثم ينبغي ألا يخالجنا الشك في أن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف لابد أن يقع. ولا يجوز أن يتطرق إلى قلوبنا الشك، بسبب ما نراه من حولنا، من الضربات الوحشية التي تكال لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان، ولا بسبب ما نراه كذلك من ضخامة الأسس التي تقوم عليها الحضارة المادية.. إن الذي يفصل في الأمر ليس هو ضخامة الباطل، وليس هو قوة الضربات التي تكال للإسلام. إنما الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق، ومدى الصمود للضربات!

إننا لسنا وحدنا .. إن رصيد الفطرة معنا .. فطرة الكون وفطرة الإنسان .. وهو رصيد هائل ضخم .. أضخم من كل ما يطرأ على الفطرة من أثقال الحضارة .. ومتى تعارضت الفطرة مع الحضارة، فلا بد أن يكتب النصر للفطرة .. قصر الصراع أم طال.

أمر واحد يجب أن يكون في حسابنا

إن أمامنا كفاحًا مريرًا شاقًا طويلًا. لاستنقاذ الفطرة من الركام، ثم لتغليب الفطرة على هذا الركام، كفاحًا مريرًا يجب أن نستعد له استعدادًا طويلًا، يجب أن نستعد بأن نرتفع إلى مستوى هذا الدين ..نرتفع إلى مستواه في حقيقة إيماننا بالله. وفي حقيقة معرفتنا بالله، فإننا لن نؤمن به حق الإيمان حتى نعرفه حق المعرفة ..

ونرتفع إلى مستواه في عبادتنا لله. فإننا لن نعرف الله حق المعرفة إلا إذا عبدناه حق العبادة.

ونرتفع إلى مستواه في وعينا بما حولنا، ومعرفتنا لأساليب عصرنا .. ورحم الله رجلًا عرف زمانه واستقامت طريقته.

ونرتفع إلى مستواه في إحاطتنا لثقافة عصرنا وحضارته؛ وممارسة هذه الثقافة، وهذه الحضارة ممارسة اختبار واختيار .. فإننا لا نملك الحكم على ما ينبغي أن نأخذ منها، وما ينبغي أن ندع، إلا إذا سيطرنا عليها بالمعرفة والخبرة. فمن المعرفة والخبرة نستمد سلطان الاختيار ..

ونرتفع إلى مستواه في إدراكنا لطبيعة الحياة البشرية، وحاجاتها الحقيقية المتجددة، فنرفض ما نرفض من هذه الحضارة، ونستبقي ما نستبقي عن خبرة بالحياة ذاتها تعادل خبرتنا بهذه الحضارة كذلك!

وهذا كفاح مرير .. وكفاح طويل .. ولكنه كفاح بصير وكفاح أصيل.. والله معنا وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [21] } [سورة يوسف] ..وصدق الله العظيم.

من كتاب:'المستقبل لهذا الدين' للأستاذ/سيد قطب رحمه الله .

هل نحن مسلمون

محمد قطب

بسم الله الرحمن الرحيم

( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )

صدق الله العظيم .

"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل".

حديث شريف

مقَدّمَة-كيف انحسر مفهوم الإسلام في نفوسنا إلى هذا الحد ؟؟

كيف انحسر من مفهوم شامل للحياة البشرية في جميع اتجاهاتها ، بل مفهوم شامل - في الحقيقة - للكون والحياة والإِنسان ، لكي يصبح مجرد عبادات تؤدى على نحو من الأنحاء ، بل لا تؤدى أحيانًا إلا"بالنية".. بل لا تؤدى أحيانًا على الإِطلاق ، لا بالنية ولا بغير النية .. ثم يظل يدور في أخلادنا - مع ذلك - أننا مسلمون صادقو الإِسلام ؟

كيف انحسر من دستور شامل يحكم الحياة البشرية كلها وينظمها: يحكم اقتصادياتها واجتماعياتها ، ومادياتها وروحانياتها ، وسياستها وأفكارها ومشاعرها ، وسلوكها العملي في واقع الحياة ، لكي يصبح مجرد مشاعر هائمة لا رصيد لها من الواقع .. مشاعر تدور في نفس صاحبها - إن دارت - وهو يعيش في مجتمع غير مسلم ولا يستنكر الحياة فيه ولا يحاول تغييره . وتدور في نفسه - إن دارت - وهو ذاته لا يسلك سلوك المسلمين في حياته الخاصة ولا العامة . فتقاليده غير إسلامية ، وأفكاره غير إسلامية ، وتصوراته غير إسلامية ، وسلوكه اليومي لا يمت بصلة إلى الإِسلام ، سواء في علاقة الفرد بالفرد أو الفرد بالجماعة أو الفرد بالدولة ، أو علاقة الرئيس بالمرءوس ...

كيف انحسر من حياة كاملة قائمة على مبادئ الإِسلام وأفكاره ومثله وسلوكه الواقعي ، تشمل الدنيا والآخرة والأرض والسماء والحاكم والمحكوم والرجل والمرأة والأسرة والمجتمع ، لكي يصبح جزئيات مبعثرة لا رابط بينها ولا دلالة فيها ، كالرقعة الشائهة في نسيج غير متناسق الأجزاء ؟

كيف نبتت تلك الأفكار العجيبة التي تقسم الإِسلام مشاعر من ناحية وسلوكا عمليا من ناحية أخرى ، ثم تفصل بين هذه وتلك ، وتتصور أن المشاعر وحدها يمكن أن تكون إسلاما بمعزل عن السلوك ؟!

كيف دار في أخلاد المسلمين أنهم يستطيعون أن يستوردوا اقتصادياتهم من أي نظام على وجه الأرض غير إسلامي ، ويستوردوا أصول مجتمعهم وقواعده من أية فكرة على وجه الأرض غير إسلامية ، ويستوردوا تقاليدهم من أي مجتمع على وجه الأرض غير مسلم ، ثم يظلوا مع ذلك مسلمين ؟!

كيف أمكن أن يتصور المسلم أنه يستطيع أن يخالف تعاليم ربه في كل شيء ، ويخون أماناته كلها ، فيغش ويكذب ويخون ويخدع ، ويتجاوز المتاع المباح إلى المتعة المحرمة ، ويقبل الذل والمهانة حرصًا على هذا المتاع ، ويخلي نفسه من تبعة إقامة المجتمع المسلم سواء بسلوكه الذاتي أو بالدعوة إلى ذلك المجتمع ، ويشارك بذلك كله في إقامة مجتمع غير مسلم ، قائم على الظلم والانحراف والمعصية .. ثم يتصور بعد ذلك أن بضع ركعات في النهار - مخلصة أو غير مخلصة - يمكن أن تسقط عنه تبعاته أمام الله وتسلكه في عداد المسلمين ؟!

كيف أمكن أن تتصور المسلمة أنها تستطيع أن تخالف تعاليم ربها وتخون أماناته: فتغش وتكذب وتحقد وتغتاب .. وتخرج عارية تعرض فتنتها في الطريق لكل عين نهمة وجسد شهوان ، وتخلي نفسها من تبعة إقامة المجتمع المسلم ، سواء بالسلوك المستقيم في ذات نفسها ، أو بتربية أبنائها عليه ، أو بالدعوة إلى ذلك المجتمع .. وتشارك بذلك كله في إقامة مجتمع غير مسلم قائم على الظلم والانحراف والمعصية .. ثم يدور في خلدها بعد ذلك أن"النية الطيبة"في داخل قلبها يمكن أن تسقط عنها تبعاتها أمام الله وتسلكها في عداد المسلمات ؟!

من أين أتت تلك الأفكار الغريبة التي تقول: ما للدين ونظام المجتمع ؟ ما للدين والاقتصاد ؟ ما للدين وعلاقات الفرد بالمجتمع وبالدولة ؟ ما للدين والسلوك العملي في واقع الحياة ؟ ما للدين والتقاليد ؟ ما للدين والملبس - وخاصة ملابس المرأة ؟ ما للدين والفن ؟ ما للدين والصحافة والإذاعة والسينما والتلفزيون ؟

وباختصار .. ما للدين والحياة ؟ ما للدين والواقع الذي يعيشه البشر على الأرض ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت