وفي الفصل الثالث، طرحنا سؤالًا هامًا، هو عنوان الفصل: هل إلى خروج من سبيل؟ بقصد الإجابة عليه، وهو محاولة لرسم طريق النهوض والتطور، وهو اجتهاد لتحديد كيفية البدء وفلسفته، مع استحضار تراث أمتنا الناصع، بصفحاته المشرقة، في هذا المضمار، الأمر الذي من شأنه أن يقوي العزيمة، ويشد الأزر، مع التأكيد على أن الحضارة المعاصرة، اتخذت من تقنياتها المتقدمة، وخدماتها المتطورة، ومنتوجاتها المتنوعة، ، وأنظمتها المبدعة، أسلحة قوية وفتاكة للسيطرة على الشعوب النامية، التي تأتي شعوب أمتنا الإسلامية في المقدمة منها، وليس لنا من بديل سوى المزاحمة في كل ذلك، آخذين في الاعتبار أن التقنية هي وقود الحركة، وزاد الطريق، وقد اقتضى الأمر التوسع جزئيا في دارسة واقع التقنية في مجتمعاتنا، والتأثيرات المتعددة التي تساعد على نموها واضطرادها، والسلبيات المختلفة التي مازالت تقف عائقا أمام انطلاق مركبتها، فاستحقت بهذا أن تستقل بالفصل الرابع كاملًا للحديث عن استنبات التقنية المتطورة في مجتمعاتنا وتنميتها. يحمل هذا الفصل قناعة ذاتية ثابتة بأن التقنية لا تنقل بشراء المعدات والأجهزة، والمراجع والكتب مهما أغدقت شعوبنا عليها من المال، ولكنها معاناة، ومجاهدة، والتزام، وإصرار، وثبات من جميع قطاعات المجتمع، ثم أعقب هذا التدليل على ذلك بتجارب الأمم اليابانية، والغربية والأوروبية منها على وجه الخصوص، التي سبقتنا في مضمار التقدم التقني، لاستخلاص العبر منها، ثم تلا هذا تعداد ضروريات وأسس استنبات التقنية المعاصرة، واستيعابها مع ذكر الشروط اللازمة لتحقيقها.
أما الفصل الأخير، فهو اقتراح منهج للخروج بأمتنا من المحنة الحضارية، وتحديد الركائز التي تعد بحق عدة الخروج، إذا ما عقدت الأمة العزم عليه.
وبعد: فما كان لهذا الكتاب أن يجد مكانه بين يدي القارئ بهذه الصورة، التي هو عليها ـ والتي أرجو الله أن يكون حسنة تحسب في موازين، كاتبها، وأن يجد لدى القارئ القبول، فيقبل عليه بحسن الظن الذي تجمعت به أفكاره ورتبت به فصوله ـ أقول: ما كان لهذا الكتاب أن يظهر، لولا الشعور والمعايشة، لما تكابده أمتنا المسلمة من ألم ومعاناة، تكاد تصل إلى مرحلة الإحباط، لولا استشراف الرجاء في الله، ثم الثقة في قدرة أمتنا على النهوض من كبوتها، واستعادة أمجادها، وسلطان قوتها بالإيمان والعلم، الإيمان بالله ، ثم العلم النافع.
ويظل هذا الكتاب في اعتقاد مؤلفه بداية على الطريق الشاق، طريق النهضة والتقدم الذي نسأل الله أن يعين أمتنا على السير عليه بزاد يقينها، وصدق معرفتها، والله يتولانا جميعًا بفضله، ويشملنا برحمته وهو من وراء القصد.
الظهران: غرة ربيع الآخر 1409هـ // 10 نوفمبر 1988م
الدكتور: محمود محمد سفر
هندسة الضغط الحضاري المعاصر
حضارة العصر: أين نحن منها؟
إن الحديث على الحضارة هو حديث الساعة، بل هو حديث العصر، ولغته، وأسلوبه.
والحضارة في مفهومها العام: هي سلوك ونظام، وقيم ومعان، وأسس ومبادئ، ومنظومات وطبيعة حياة، يزخر بها مجتمع ما، وتسيطر على مجريات الأحداث فيه، يدعمها ويحافظ على بقائها عمل متصل، وفعالية عالية مرتفعة، يسهم فيها كل إنسان قادر مؤهل بقدر طاقته وتأهيله، وتبقى الحضارة والرقي ما بقي العمل المتصل، والعطاء المتجدد، والفعالية المرتفعة، فيتطور الفكر ويتفاعل، وتبرز المخترعات، وتتطور الاكتشافات، لتنتج أدوات تلك الحضارة ومنجزاتها.
وحضارة الغرب: هي حضارة العصر التي بسطت رواقها، ومدت آثارها في كل محفل وناد وبقعة من أرض الله، بحيث لا يلتفت الإنسان يمينًا أو يسارًا إلا ويجدها قد احتوته من كل جانب، وحاصرته في كل اتجاه. وأخذت عليه طريقه، فردًا وأمة… في مطعمه، ومشربه، وملبسه، ومسكنه، وصناعته، وتجارته، وزراعته، ومواصلاته، وعتاده، بل وكل شيء في حله، وفي ترحاله … بحيث لو نادى الإنسان المسلم على وجه الخصوص ، أو هتف بكل ما حوله أن يعود من حيث أتى، لفجع من هول النتيجة حيث يفاجأ بأنه وحده، وليس من حوله مما صنعت يداه شيء.
شكّل هذا كله ضغطًا على إنسان العصر، بدا واضحًا على مسيرة وأسلوب حياة إنسان المجتمعات النامية عامة، والمسلم خاصة، حتى لكأنّ الأمر غدا ظاهرة يتكرر حدوثها كل عشية وضحاها في مجتمعاتنا المسلمة، لتعيش بيننا ، ونتعامل معها، وبها، ولها.
الظاهرة الحضارية
دعونا نعرّف هذه الظاهرة، التي يمكن أن نطلق عليها (( ظاهرة الضغط الحضاري ) )ثم نناقش تكرار حدوثها، وكيفيته، بعد أن نعقد مقارنة بينها وبين إحدى الظواهر الطبيعية في الكون.
الظاهرة الحضارية التي بين أيدينا هي وجود حضارة ضاغطة، ومجتمع مضغوط، وميل حضاري (GRADIENT ) (* ) وكما هي عادة الظواهر الطبيعية كلها، عندما يوجد ميل في أي خاصية من خواص النظام الطبيعي، فإن ذلك يحدث تدفقا طبيعيا من الجهة التي تعلو فيها هذا الخاصية إلى الجهة التي تتدنى فيها.
الظاهرة الحرارية
إن استعراض الظاهرة الحرارية في النظام الطبيعي، وما يحدث لها، سوف يعين على عقد مقارنة بين الظاهرة الحرارية الطبيعية، والأخرى الحضارية الاجتماعية.
نعلم مما تعلمناه في دروس العلوم العامة أن انتقال الحرارة من وسط (MEDIUM ) إلى آخر يحدث عبر طرق مختلفة إذا ما توفر ميل حراري (TEMPRATURE GRADIENT ) ويصاحب طرق الانتقال تلك أحداث مختلفة نذكر أبرزها فيما يلي:
الحدث الأول:
يرتبط بانتقال الحرارة بالتوصيل وهو ما يسمى الجزيئي (MOLE- COULERCONDUCTION ) ويعني أن جُزَيْئًا يتحرك فيحرك جُزَئيًْا معه؛ فيحرك جُزَيْئًا ثانيًا ويحرك جُزَيْئًا ثالثا فتظل هناك حركة جزئيات، ومن ثم تنتقل الحرارة عن هذا الطريق من الوسط الأعلى حرارة إلى الوسط الأدنى منه حرارة.
الحدث الثاني:
يصحاب انتقال الحرارة بالحمل أو الانتقال الحملي ( CONVECTION OF HEAT ) وهذا الحدث يعني علميا ـ كما هو معروف ـ أن ينتقل جزء من الوسط من مكان إلى مكان آخر حاملا معه الحرارة إلى المكان الجديد.
الحدث الثالث:
هو انتقال الحرارة بالإشعاع، وهذا يعني انتقال الحرارة عبر موجات كهرومغناطيسية.
المقارنة بين الظاهرتين
تلك باختصار ظاهرة الانتقال الحراري، من وسط ذي حرارة مرتفعة، إلى وسط آخر أقل منه حرارة. فماذا عن الظاهرة الحضارية وطرق انتقالها من مجتمع متقدم ذي حضارة باهرة، مسيطرة، إلى مجتمع متخلف اتكالي، يعيش عالة على منتوجات، وأفكار وعادات وأشياء الحضارة المسيطرة عليه بنظمها الحاكمة؟!
هل تظل وسائل النقل في الظاهرتين واحدة؟ وكيف؟!
نعم إن الطرق الثلاثة للانتقال بالتوصيل، والحمل، والإشعاع، تتكرر أيضا مع الظاهرة الحضارية التي بين أيدينا.
فبالاتصال (التوصيل ) تنتقل كثير من العادات الأجنبية عبر تفاعل أفراد المجتمع المضغوط، مع الحضارة الضاغطة، فيحمل معهم بعض عادات هذه الحضارة، وتقاليدها، ويحملونها إلى غيرهم، وغيرهم يحملها إلى غيره، ومن ثم تنتقل كثير من العادات والتقاليد عبر هذه الطريقة الانتقالية من المجتمع الحضاري الضاغط إلى المجتمع المضغوط (الأقل حضارة ) .
وهناك أيضا انتقال حضاري عن طريق الحمل، وهذا الظاهرة تبدو واضحة فيمن يأتي إلى بلداننا من الأجانب مصطحبين معهم ـ بطبيعة الحال ـ عاداتهم، وتقاليدهم، يختلطون بنا، ونتأثر بهم، ويتأثرون بنا.