فهرس الكتاب

الصفحة 1760 من 1942

يقول الأستاذ جودت سعيد: (ثم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه يستخدم آيات الآفاق والأنفس ، ليحل المشكلة خارج النصوص . ولا مانع من التذكير بالحديث الذي أكرره كثيرًا لما له من الدلالة ، والأهمية في هذا الموضوع ، موضوع آيات الآفاق ، والأنفس .. ذلك الحديث الذي يترك فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الاحتجاج بسلطانه النبوي ، وسلطان ما أوحي إليه ، ليتخذ من آيات الآفاق والأنفس دليلًا ، وحجة لبيان موضوع معين ، وقع الجدال فيه مع صاحبه زياد بن لبيد: ( ذكر ابن كثير في تفسير سورة المائدة الآية 63 ، وصححه عن الإمام أحمد قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا فقال:(وذاك عند ذهاب العلم ) ، قلنا يا رسول الله: كيف يذهب العلم ؟ ونحن نقرأ القرآن ، ونقرئه أبناءنا .. وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم ؟ فقال: (ثكلتك أمك يا ابن لبيد ، إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة . أليس هذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة ، والإنجيل ، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء ؟! ) .. هنا يلجأ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آيات الآفاق والأنفس ليحسم النزاع ، والجدال في آيات الكتاب ، وإن آيات الكتاب قد تكف عن أدائها دور العلم ، في ظروف معينة ، والرسول صلى الله عليه وسلم هنا يستشهد بحدث تاريخي واقع أمام العالم جميعًا ، لا يمكن أن ينكره أحد . وهذه القوة لآيات الأفاق والأنفس ، أشرنا إليها قريبًا حين قلنا: إن دلالتها عالمية ، وفوق الأيديولوجيات ، ولم يحاول هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: أنا رسول الله ولا أنطق عن الهوى ، وعليك أن تسلم بما أقول ، ولا تجادل فيه . إن هذه الحادثة ، والحوار العجيب الذي دار في مطلع الحياة الإسلامية ، لعميق الدلالة ، وسوف لا يكف عن عطاء ما يحتويه من منهج لا يزال يتألق على مر العصور في أهمية الوقائع في الآفاق والأنفس . وهذا ما أردنا أن نضعه أمام الشباب المسلم ليتأملوا فيه ، ليس كحدث جزئي ، وإنما كمنهج).

إننا حقًا لا نستطيع إدراك جهود الرسول صلى الله عليه وسلم إلا إذا نظرنا إليها كمناهج متكاملة ، وتأملناها كوسائل فاعلة في بناء الحياة الإسلامية .

ج - المحور الواقعي للبلاغ المبين:

إن الطبيعة البلاغية ، والدعوية للرسالة الإسلامية هي التي استدعت الوعي على أحوال الخلق ، وطبائعهم ، واستعداداتهم ، وميولهم ، وقدراتهم وذلك بغرض مخاطبتهم بما يطيقون من غير إكراه ، ولا تعسف . ومعنى المحور الواقعي للبلاغ المبين هو إدراك معادلات الناس الفردية ، والاجتماعية ، ومخاطبتهم حسب ظروفهم ، ومشاغلهم ، واكتساب مفاتيح التعامل مع أوضاعهم كما هي في الواقع المعيش. والنبي عليه الصلاة والسلام ، خبير بهذا الجانب من جوانب البلاغ المبين ، عارف لأسراره ، وخباياه ، ومناهجه ، ووسائله ، وليس أدل على هذا ، تتبع منهج النبي عليه الصلاة والسلام في التعامل مع الأفراد والجماعات .

يقول الإمام الشاطبي مقعّدًا لقانون دعوي منهجي ، مستخلص من الفقه النبوي: (النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه ، بحسب وقت دون وقت ، وحال دون حال ، وشخص دون شخص ، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال على وزن واحد .. فصاحب هذا التحقيق الخاص ، رزق نورًا يعرف به النفوس ، ومراميها ، وتفاوت إدراكها ، وقوة تحملها للتكاليف ، وصبرها على حمل أعبائها ، أو ضعفها ، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها . فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ، ما يليق بها ، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف) .

فهذه قاعدة من قواعد التعاطي مع المنهج البلاغي النبوي ، الثاوي في سنته صلى الله عليه وسلم وهذه جملة من النماذج الواقعية لهذه المنهجية.

فمن ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال ، وخير الأعمال ، وعرف بذلك بعض أوقات من غير سؤال ، فأجاب بأجوبة مختلفة ، كل واحد منها ، لو حمل على إطلاقه ، أو عمومه ، لاقتضى مع غيره التضاد والتفضيل .

ففي الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام (سئل: أي الأعمال أفضل ؟ قال: إيمان بالله . قال: ثم ماذا ؟ قال: جهاد في سبيل الله . قال: ثم ماذا ؟ قال حج مبرور ) .. (وسئل عليه الصلاة والسلام: أي الأعمال أفضل ؟ قال: الصلاة لوقتها . قال: ثم أي ؟ قال: بر الوالدين . قال: ثم أي ؟ قال: جهاد في سبيل الله ) .

وفي النسائي عن أبي أمامة قال: أتيت النبي ص فقلت مرني بأمر آخذه عنك . قال: (عليك بصوم فإنه لا مثيل له ) . وفي الصحيح في قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. إلخ . قال: ولم يأتي أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه ) . وفي الترمذي: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ) (5) .

وفي البزار: (أي الدعاء أفضل ؟ قال: دعاء المرء لنفسه ) . وفي الترمذي: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ) .

وفي البزار: ( يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما ؟ عليك بحسن الخلق ، وطول الصمت ، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما ) .

وفي مسلم: (أي المسلمين خير ؟ قال:( من سلم المسلمون من لسانه ويده ) .. وفيه: ( أي الإسلام خير؟) قال: تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ).. وفي الصحيح: (وما أعطي أحد عطاءًا خيرًا وأوسع من الصبر ) .. وفي البخاري: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) .

ومن الضوابط الدعوية أن يخاطب الناس بما يفهمون ، فقد روي عن علي رضي الله عنه ، قوله: (حدثوا الناس بما يفهمون ، أتريدون أن يُكّذب الله ورسوله ) .

ويضيف الإمام الشاطبي ضابطًا آخر في عالم البلاغ المبين ، محاولًا تحديد منهجية للتعامل مع العقول، والأذهان ، والوقائع ، والأزمان ، حسب ما تتطلبه منهجية الدعوة في المنهاج الإسلامي قائلًا: (وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة ، فإن صحت في ميزانها ، فانظر في حال مآلها بالنسبة لحال الزمان وأهله ، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة ، فاعرضها في ذهنك على العقول ، فإن قبلت .

دروس من الفقه النبوي

والذي يتعمق في دراسة الجانب التطبيقي للإسلام ، من خلال السيرة النبوية الشريفة ، يرى كيف وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في مواجهة مشكلات المجتمع الجاهلي ، وكيف كان يتعامل مع النفوس البشرية المتباينة: فكرًا ، ومزاجًا ومكانة . وكيف كان يتدرج بها من مرحلة إلى مرحلة ، بصبر وأناة ، وحكمة ، حتى نقلها من الجاهلية إلى الإسلام.

لقد كان من أبرز خصائص ، وسمات المنهج النبوي: (التغيير المتدرج حسب الأولويات) كما أفصحت عن ذلك السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، وهي تصف منهجية التغيير الإسلامي ، التي كانت وراء نجاح الدعوة الإسلامية: (إنما نزل أول ما نزل منه - أي القرآن - سورة من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام ، نزل الحلال والحرام ، ولو كان أول شيء لا تشربوا الخمر ، لقالوا لا ندع الخمر أبدًا ، ولو نزل لا تزنوا ، لقالوا لا ندع الزنا أبدًا ) (رواه البخاري) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت