والمسلم اليوم عندما يتأمل عمل النبي صلى الله عليه وسلم في التربية والحركة ، يجد أن من بين أهم المفاتيح التي فتح بها مغاليق النفس البشرية ، وغير بها أوضاع الحياة الاجتماعية: (قدرته الفائقة على فهم النفوس البشرية ، والأوضاع الاجتماعية وإدراك المؤثرات النفسية ، والبيئية التي يخضع لها الناس ، والتعامل معها على ضوء ذلك الفهم الشمولي العميق) الذي كان خير معين له على طرح الحلول الجذرية ، للمشكلات الإنسانية ، النفسية ، والاجتماعية ، الفردية ، والجماعية.
ولقد أعانه على امتلاك تلك القدرة في فهم النفوس البشرية ، والأوضاع الاجتماعية ، وإدراك المؤثرات النفسية ، والبيئية أمران أساسيان هما:
-الوحي الأعلى.
-والاستعداد الذاتي.
فالوحي الأعلى كان يطلعه به الله سبحانه وتعالى سواء عن طريق جبريل عليه الصلاة والسلام مباشرة ، أو عن طريق الإلهام في بعض الأحيان عندما تقصر وسائله الخاصة ، في التحري ، والتدقيق ، ويبدو أن أمرًا مهمًا سيفوته ، أو خطرًا كبيرًا سيلحقه ، كما في تآمر بني النضير على قتله .. وكما في قصة حاطب بن أبي بلتعه .. وكما في قصة فضاله الذي جاء يريد قلته ، وغيرها من الوقائع التي يعلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي ، فيأخذ حذره منها ، ويحتاط لها.
والاستعداد الذاتي: حيث كان عليه الصلاة والسلام يهتم بمعرفة كل صغيرة وكبيرة في المجتمع ، الذي يكون فيه ، ويكلف أصحابه بإبلاغه ما يصلهم من معلومات وأخبار عن أحوال الناس ، وأوضاع المجتمع.
قال القاضي عياض فيما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: (.. فيتشاغل بهم - أي الناس - ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة ، ومن مسألته ، عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ، ويقول:(ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته .. يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم ، من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه ، ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس) .
(ويرسل رجاله المقتدرين إلى الجهات التي يريد معرفة حالها ، فيأتونه بالأخبار التي يستعين بها على رسم خططه ، وانفاذ أمره) . ومواجهة أعباء ومسؤوليات الدعوة ، والحدب عليها ، حتى لا يلحقها الأذى.
فخبرته صلى الله عليه وسلم بالنفوس والأوضاع البشرية ، وحرصه على متابعة مجريات الأحداث ، والإشراف عليها ولو من بعيد ، ساعده كثيرًا في ضمان قدر هائل من الفاعلية في حركته ، لأنها كانت (تتم في الوقت المناسب ، وبالكيفية المناسبة) . فلم يكن تستفزه الأحداث ، وتضطره إلى المغامرة - رغم كثرتها وإلحاحها - بل كان يتحرك بخطى مدروسة ، يستلهم فيها واقع الأفراد والمجتمع والدعوة ، وكما تجمعت لديه معطياته عن طريق الوحي الأعلى ، والتحرك الذاتي
المنهج النبوي والتغيير في العصر العالمي وظيفة السنة النبوية في البناء الحضاري:
إن الجهد الرائع ، الذي بذله العقل المسلم ، في ميدان مواجهة خصوم المنهج النبوي ، قديمًا وحديثًا ، قد أتى أكله بحول الله وقوته ، أضعافًا مضاعفة ، لما كان متوقعًا ، وهذا فضل من الواحد القهار سبحانه وتعالى . فقد خرجت السنة النبوية منتصرة من صراع مرير ، خاضته ضد الهوى ، الذي انغرس في نفوس المغرضين ، والمناوئين ، الذين ما تركوا سبيلًا إلا وسلكوه لمحاربتها ، ومحاولة النيل منها . فكان الصراع محتدمًا على كل الأصعدة: صعيد المنهج والمعرفة ، وصعيد مضمون السنة وحملتها ، وصعيد فهمها وتطبيقها.
فلم تكن المعركة السُنية - إن صح التعبير - سهلة ، وبسيطة ،بل كانت شرسة ومعقدة ، وليس أدل على هذا ، من ذلك الكم الهائل من الأفكار ، والكتابات ، التي ظهرت في هذا الحقل المعرفي الإسلامي.
لقد خاضت السنة تجربتها الأولى في حضور نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام ، لا لتترك لنا فقط أحاديثًا وسننًا روّي بها رسولنا عقول الناس ، بيانًا وعلمًا وهديًا ، ولكن لتخلف لنا أثرًا عظيمًا من آثار الإسلام ، وهو تنزيل القرآن إلى أرض الواقع ، وتحويله إلى ثقافة اجتماعية أخلاقية وروحية ، وسلوكية ، وعمرانية . والعجيب حقًا أن تتم عملية التنزيل ، في ظرف زمني وجيز ، امتد إلى حوالي ثلاثة وعشرين عامًا ، وهي حياة الرسول صلي الله عليه و سلم بعد البعثة.
ثم خاضت السنة معركتها الثانية في وجود الصحابة الكرام ، والتابعين الأبرار ، وتابعي التابعين الأخيار ، لتترك لنا تراثًا معرفيًا سنيًا ، وحديثيًا ، ظهرت من خلاله عبقرية العقل المسلم الاجتهادية ، والمنهجية ، والعقلية ، فنشأت بذلك علوم رائعة ، ومناهج كفأة في هذا الحقل المعرفي الإسلامي ( علوم السنة ) .. وبعد هذا الزمن الطيب في حياة السنة النبوية ، توالت العهود ، ودخلت أمتنا العزيزة في مراحل الضعف والتخلف ، ليس عن ركب الحضارة كما يقولون ، ولكن عن مستوى القرآن والسنة ، فحدث لها ما هو معلوم من واقعنا بالضرورة .
دعونا نقول بأن السنة النبوية في تطورها التاريخي مرت بقراءتين:
-القراءة النبوية ، وتمتاز بأنها كانت سلوكًا ، وقيمًا ، وأخلاقًا ، وواقعًا مجسدًا وقرآنا ، يمشي داخل مؤسسات المجتمع وثقافته . ويمكن تسميتها (بالقراءة عن طريق الوحي) ، فقد كانت أقوالًا ، وأفعالًا ، وتقريرات كما يعبر عن ذلك علماء الأصول ، ولكنها محكومة بمرجعية الوحي ، ومعياريته.
-القراءة البشرية العلمائية: وأعني بها قراءة الصحابة ، والتابعين وتابعي التابعين ، وتابعيهم بإحسان ، وتمتاز بأنها معرفية وعلمية ، أي أنها اشتغلت بالجانب النظري ، والاستدلالي ، والبناء الفكري للسنة ، وصبها في كتابات ، ومؤلفات مثل الموطآت ، والمسانيد ، والصحاح ، والمدونات ، .. الخ أخذًا بعين الاعتبار الجانب المنهجي منها ، وما أنتجته العملية التدوينية من مناهج ، وعلوم مثل علم مصطلح الحديث ، وعلم الجرح والتعديل ، وعلم العلل والرجال ، بالإضافة إلى استخدام مناهج التاريخ ، ومناهج السير في الأرض.
وظيفة السنة النبوية في البناء الحضاري:
ما هي وظيفة السنة النبوية في البناء الحضاري الحديث؟
يبدو والله أعلم أن هذا السؤال من أخطر الأسئلة التي تواجه حركة البناء الحضاري الحديثة لأسباب منها:
-أن عملية البناء الحضاري المقصودة هنا ، هي التي تدور في إطار المرجعية الإسلامية . وهذه الأخيرة تنبني على الوحي الأعلى - قرآنًا وسنة - ولهذا فمن اللازم ابتداء أن يتفاعل العقل المسلم ، مع هذا الإطار المرجعي الأم ، الذي بدونه تصبح عملية البناء الحضاري ، لا علاقة لها بالمجتمع الإسلامي ، وبالثقافة التوحيدية.
-إن عملية التعامل مع الوحي ، تتم عن طريق مفتاح السنة النبوية المطهرة ، فبالإضافة إلى كون السنة وحيًا مبينًا للقرآن ، وموضحًا له ، وكاشفًا لأسراره ، وسننه ، وخيراته ، وأحكامه ، فهي كذلك مدخل مفتاحي ، لتحقيق الوعي على القرآن ، وبدونها يتعذر التعامل الحقيقي ، والصحيح معه.