-عز وجل - التقوى - عقيدة وسلوكًا - هي الصبغة العامة للمجتمع الإسلامي .
-عز وجل - المجتمع الاسلامي، هو مجتمع القوة، والاستقلال، والثروة، والتقدم في كافة المجالات العلمية والصناعية .
هناك ثلاث نظريات فيما يخص العلاقة بين الفرد والمجتمع:
النظرية الأولى تقول:
إن الفرد هو كل شيء في المجتمع، وهو العامل الحاسم في تحريك التاريخ، ولذلك ينبغي الاهتمام بالمجتمع من حيث هو أفراد، وسن المناهج والانظمة التي تربّي أفرادًا متفوقين ونابغين، يبنون الحضارة البشرية، ويهبون التقدم للانسانية.
وتنطلق هذه النظرية من واقع وجود بعض العظماء الذين استطاعوا أن يغيروا مسيرة التاريخ، ويرسموا خريطة جديدة لحياة مجتمعاتهم.
النظرية الثانية
وتقول:
إن الفرد لا قيمة له إطلاقا، فهو أشبه ما يكون ببرغي صغير في ماكنة المجتمع. وهذه النظرية تتمسك بالحتميات الاجتماعية، وترى بأن حركة المجتمعات وتطوراتها نابعة من أنظمة عامة يخضع الافراد لسلطانها، فلا يملكون أن يواجهوها أو يغيّروا منها شيئا إذا ما رأوا أنها تقودهم في الاتجاه الخاطىء. ولذلك فهذه النظرية تؤمن بفكرة الدورات الاجتماعية المنتظمة، أي ان كل مجتمع لابد أن يمرّ بنفس المراحل التي يمرّ بها الإنسان في حياته. حيث يولد طفلا رضيعا ثم يصبح شابا مراهقا، فرجلا، فكهلا، فشيخا، فهرما، ثم يموت. والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة ومتنوعة يعددّها أرنولد توينبي في كتابه (مختصر دراسة للتاريخ) .
أمّا النظرية الثالثة؛
والتي يؤيدها الإسلام وتقوم أنظمته وشرائعه عليها، فهي تقف في الوسط بين النظريتين، فتعطي للفرد أهميته اللائقة، كما تعطي للمجتمع دوره المؤثر، وتنظم العلاقات بينهما بشكل دقيق ومتوازن.. فالمجتمع يؤثر في الفرد، والفرد بدوره يؤثر في المجتمع؛ إنها لا تسلب الفرد إرادته، ولا تحرم المجتمع من تلك القوانين والانظمة الديناميكية التي تعطيه الوقود المناسب في مسيرته الحضارية التكاملية .
وعلى هذا فهي لاتنفي تينك النظريتين، وانما تربط بينهما بشكل تزول معه الهوة الفاصلة بين الفرد والمجتمع، وتجعل الاثنين يتفاعلان مع بعضهما لما فيه خير الإنسانية وسعادتها.
كذلك فهي ترى أن الدورة الاجتماعية المنتظمة ليست حتمية أبدا. ففي التاريخ الحديث مثلا نجد ان المجتمع الألماني كان مجتمعًا حيويًا يتفجر ثورة واندفاعا، وكان باستطاعته أن يبقى زمنا طويلا متحكما في القارة الأوروبية، ولكن هذا المجتمع الفتي ابتُلي بطاغوت أهوج مثل (هيتلر) ، وبحزب متطرف مثل (الحزب النازي) ، فانقاد إلى الهاوية والسقوط، وتم - بعد الحرب العالمية الثانية - تقسيمه إلى شطرين أحدهما تحت مظلة المعسكر الشرقي والآخر تحت مظلة المعسكر الغربي، واستمر هذا الوضع عدة عقود من الزمن حتى إنهيار الاتحاد السوفياتي.
وهكذا فالمجتمعات قد تموت في أيام شبابها، وقد يشيخ المجتمع ويهرم ويشرف على الموت، ولكن لا يلبث أن ينبعث في داخله مصلح يفجّر إمكاناته الذاتية المختزنة فيتحدى المجتمعُ بارادة ابنائه تيارَ الانحدار، ويتقدم مرة أخرى حتى يثبت نفسه، كما حدث بالنسبة للمجتمع العربي الجاهلي الذي كان مشرفا على التفسخ والاندثار، ولكن بمجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وظهور الإسلام، دبّت فيه الروح، واذا بالعرب يصبحون في فترة وجيزة سادة العالم وبناة الحضارة.
ديناميكية المجتمع
إن بناء المجتمع على أساس القيم الصحيحة، والعمل الصالح يعطيه ديناميكية في الاتجاه الصحيح، وعكس ذلك صحيح أيضا. ولكي نوضح الفكرة، دعنا نضرب مثالًا على ذلك: إذا حفرت نهرًا يمتد من ينابيع المياه ويجري عبر الاراضي الصالحة للزراعة، فسوف يروي هذا النهر آلاف الهكتارات من الاراضي المزروعة ويصبح سلة خبز لأولئك الذين يعيشون حول هذه المنطقة. أما إذا حفرت ذات النهر عبر أراضٍ سبخة فانه لن ينفع شيئا وستذهب مياهه هدرا.
إن هذه واحدة من السنن الطبيعية التي تنطبق أيضا على المجتمع البشري، فالمجتمع مثل النهر يمتلك طاقة هائلة، فإذا وجّهت في الاتجاه السليم وحفرت لها قنوات ملائمة، تحركت هذه الطاقة عبر القنوات وأعطت ثمارا طيّبة، ولكن إذا كانت هذه القنوات غير سليمة ومتناقضة الاتجاهات فان المجتمع سرعان ما يتحطم ويموت.
مثلا، إذا أقمنا بناء المجتمع على العنصرية، فان طاقاته ستتوجه عبر هذه القناة الرديئة، فيفرض الرجل الابيض سيطرته على الرجل الأسود، كما كان الوضع في جنوب إفريقيا، وتكون النتيجة أن بضع مئات من الألوف من البيض يتحكمون في مصير عدة ملايين من المواطنين السود، وهذا يعني فيما يعني أن الرجل الأبيض كان يعمل ساعتين فقط في اليوم، وكان يستطيع أن يضمن لنفسه بهما حياة مرفهة، بينما كان الأسود يعمل أربع عشرة ساعة يوميا حتى يحصل على أجر قليل لم يكن يكفيه. فالاول كانت عنده ست ساعات من الفراغ، بينما الثاني كان يُرهق بست ساعات من العمل الأضافي، وبعد فترة كان الأبيض يموت من الترف والفراغ، والأسود يموت من الجوع والتعب، وينتهي المجتمع شر نهاية، وهذه واحدة من السنن الإجتماعية.
ويتوقف تقدم وحيوية المجتمع البشري على قوانين وأنظمة ذاتية كثيرة نسمّيها بديناميكية المجتمع، وسوف نستعرض هنا جملة منها بشكل موجز من خلال عهد الامام علي بن أبي طالب عليه السلام، لمالك الأشتر لمّا ولاّه مصر، حيث يرسم لنا فيه الديناميكية الاجتماعية والقوانين التي تتحكم في المجتمع.
يقول عليه السلام:
( واعلم أنّ الرعيّة طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها: جنود الله، ومنها: كتّاب العامّة والخاصّة، ومنها: قضاة العدل، ومنها: عمّال الإنصاف والرّفق، ومنها: أهل الجزية والخراج من أهل الذّمة ومسلمة الناس، ومنها: التجّار وأهل الصناعات، ومنها: الطبقة السُّفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكلٌّ قد سمّى الله له سهمه(أي نصيبه من الحق) ووضع على حدِّه فريضة في كتابه، أو سُنّة نبيّه صلى الله عليه وآله عهدًا منه عندنا محفوظا.
فالجنود، بإذن الله، حصون الرعية، وزين الولاة، وعِزُّ الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم.
ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم.
ثم لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصِّنف الثالث من القضاة والعمال والكتّاب، لما يُحكمون من المعاقد (أي: يقومون بتنظيم العقود) ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها.
ولا قوام لهم جميعا الا بالتجّار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم (أي: المنافع التي يجتمعون من أجلها) ، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من التّرفّق (أي: التكسّب) بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم.
ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم (أي: مساعدتهم وصلتهم) ومعونتهم. وفي الله لكلٍّ سعة، ولكلٍّ على الوالي حق بقدرما يصلحه) .
ويمكننا ان نستخلص من هذه القطعة من عهد الامام علي عليه السلام بعض القوانين الأساسية لبناء المجتمع الحي:
1 -قانون التفاضل بالسعي
فالمجتمع يتألف من طبقات تقوم - أولًا - على أسس سليمة هي: العلم والخبرة والكفاءة والقدرة البدنية.. الخ.