وهكذا فإن التخطيط الثقافي لهذا الطيف السباعي يمثل تحديا عظيما للتيارات الإصلاحية، فهي لم تعطه حقه من البحث، فضلا عن المنظومات الثقافية المتاحة لدينا حاليا التي يصب معظمها في الترفيه والسياحة التاريخية. إن تخطيطا ثقافيا محكما يسرع بخطى الأمة نحو أهدافها العظيمة، ويسهل مهمة القيادة الحكومية في الوصول إلى أي هدف تنموي.
* نحن نعاني من تخلف تقني وقصور في توطين التكنولوجيا في بلادنا، والحكومات معذورة في عدم وجود التمويل الكافي .. فما هو دور الفرد والمجتمع الأهلي والجمعيات الخيرية في ذلك؟.
** لقد أسهمت في هذا الخصوص بدعوة جديدة وهي ما أسميته"المنظومة الغائبة في فكرنا الصناعي"حيث دعوت إلى وقف هيئة لتنمية الابتكارات في عالمنا الإسلامي، وقلت: إن هذه الهيئة هي الجهد الشعبي في اتجاه التصنيع، ونحن هنا ينبغي أن نحدد دور الدولة ثم دور الأمة ثم دور الاقتصاديين.
فالأمة يجب أن تعود إلى"سياسة الوقف"التي توقفت مثلا عندنا في مصر.
إن هذه القناة كانت تتفق فيها أعمال النفوس الخيرة، وسد هذا الطريق مصيبة كبرى، فأنا كمتخصص في مجال الطيران عاطل بلا عمل، لأن الدولة لا تتبنى سياسات تصنيعية في هذا المجال، ولو أن الأمة بأوقافها أنشأت هيئة علمية أوقفتها على هذا المال التكنولوجي لتغير الحال تماما. ومفهوم الوقف هنا يجب أن يتحول ليسهم في التقدم التقني، فلم يعد مقبولا أن يوقف المال على العمارات والأراضي الزراعية، وإنما يجب أن يوقف على مشروعات علمية دقيقة تضع الأمة على أعتاب التقدم.
ودور الدولة في هذا الأمر هو أن يكون لديها فلسفة للتنمية، فالدولة تهمل تقنية التعليم، كما أن الإعلام التقني مفقود، فنحن لدينا الكثير من القنوات التليفزيونية والمحطات الإذاعية ليس بها أية قناة أو إذاعة تقنية. كما يجب على الدولة أن يكون لها سياسات واضحة لحماية منتجاتها الوطنية وسياسة تشريعية تفرض الهندسة العكسية، بمعنى أنه من أراد أن ينشئ مصنعا جديدا فليستورد ما يحتاجه في البداية، ولكن عليه أن يصنع ما يحتاجه بعد ذلك بجهوده الهندسية والتطويرية. كما أننا ليس لدينا تشريعات تفرض البحوث التطويرية في مصانعنا.
وبالنسبة لدور الاقتصاديين فيجب أن يظهر المال المغامر الذي يتحدى المجهول. إن الآلية التي تتقدم بها الصناعة الأمريكية هي آلية المال المغامر، أما لدينا فالبنوك تستثمر أموالها في المضمون وتبتعد عن المشروعات القومية التي تنفع المسلمين، وما تقوم به هذه البنوك يمكن أن يقوم به أي تاجر. لماذا لم يقم هؤلاء ببحوث في الصناعات الحربية، والطائرات، والزراعات المتطورة؟.
وهكذا فإن هذه المنظومة الثلاثية الأبعاد (دور الفرد - دور الأمة - دور الدولة) يجب أن يعاد النظر فيها، فلا ينبغي أن نجد الدولة حيث ينبغي أن نفتقدها، ولا أن نفتقدها حيث ينبغي أن نجدها.
تاريخ السلوك التنظيمي
الأربعاء 20 من محرم 1428 هـ 7 - 2 - 2007 م
كنا قد تكلمنا في مرة سابقة عن مفهوم السلوك التنظيمي وأنه يعني سلوك الفرد داخل المنظمات، كما تحدثنا عن الهدف من وراء دراسة السلوك التنظيمي وأن هناك ثلاثة أهداف رئيسية من دراسة السلوك التنظيمي ألا وهي:
1.التعرف على مسببات السلوك الإنساني.
2.التنبؤ بالسلوك وذلك من خلال معرفة مسببات السلوك.
3.التوجيه والسيطرة والتحكم في السلوك من خلال التأثير في المسببات.
وبذلك يتضح لنا مدى أهمية السلوك التنظيمي فهو يركز على فهم وتوجيه سلوكيات وتفاعلات العنصر البشري, والذي يعتبر أهم عناصر الإنتاج في المنظمة, ونجاح المنظمة مرهون بنجاح تفعيل العنصر البشري وتحسين أدائه.
واليوم سنتحدث بإذن الله عن تاريخ نشأة هذا العلم وكيف وصل إلى ما وصل إليه الآن.
جذور تاريخية بعيدة:
المستقرئ للتاريخ يجد أن محاولات فهم السلوك الإنساني داخل المنظمات له جذور تاريخية بعيدة, ففي الحضارة الفرعونية مثلًا، وجد أنه كان هناك اعتراف فيما بينهم بضرورة الاستماع إلى شكوى العاملين, ولا شك أن الاستماع وحده يكون في أحيان كثيرة علاجًا -ولو مؤقتًا - لبعض العاملين.
وإذا طالعت التاريخ الإسلامي ستجد أن الحضارة الإسلامية قد اهتمت بالسلوك البشري داخل المنظمات اهتمامًا بالغًا، فأقرت مبدأ التشاور مع المرؤوسين عند اتخاذ القرار وهذا ما يسمى حاليًا بالمشاركة في اتخاذ القرارات الإدارية، كما شجعت الاتصال المباشر بين الرئيس والمرؤوس، كما أن مفاهيم الاتصال الجيدة كانت لها مجالات واسعة في الدين الإسلامي بشكل كبير.
وقد ظهر في القرن السادس عشر نموذج لمحاولة تفسير السلوك الإنساني والتحكم فيه ألا وهو النموذج الميكافيللي, حيث وضع ميكافيللي نظريته القائمة على أن سلوك الناس محفوف بعدم الثقة والشك، وأن الأسلوب الملائم للسيطرة على سلوكهم هو القسوة والخداع، أو أي وسيلة أخرى يمكن من خلالها السيطرة على هذا السلوك, وقد أودع ميكافيللي نظريته هذه في كتابه الشهير"الأمير"والذي كان قد كتبه لإرضاء حاكم إحدى المدن الإيطالية، وشرح خلال هذا الكتاب كيف يجب أن يتصرف الأمير الكفء، وكان مبدؤه الأساسي هو"الغاية تبرر الوسيلة"بمعنى أن أي وسيلة يمكن استخدامها ولو كانت غير نبيلة أو مشروعة طالما أنها ستوصل في النهاية إلى هدف نبيل, وقد أوصى ميكافيللي في كتابه بضرورة استخدام أساليب المكر والدهاء والخداع والتدليس والمراوغة، بجانب استخدام أساليب القهر والقسوة والشدة والردع لإحكام السيطرة على سلوك المرؤوسين، ولايمنع ذلك من استخدام أسلوب الحوافز والمكافآت على أن يكون في ظلال نظام الردع الوارفة, والعجيب أن بعض هذه الأساليب لازالت موجودة في بعض المنظمات إلى يومنا هذا وبخاصة السياسي منها، كما من الممكن أن نقول أن العمل السياسي يتبع العديد من مبادئ ميكافيللي التي أودعها في كتابه منذ ما يقرب من خمسة قرون!!
الفكر الإداري المعاصر:
إذا انتقلنا للكلام حول الفكر الإداري المعاصر سنجد أن أول مدرسة إدارية تكلمت حول السلوك الإنساني وكيفية السيطرة عليه بطريقة علمية حديثة هي المدرسة الكلاسيكية، وقد افترضت المدرسة الكلاسيكية بشكل عام بأن الأفراد كسالى وأنهم غير قادرين على تنظيم وتخطيط العمل وأنهم غير عقلانيين وأنهم انفعاليين، ولهذه الأسباب هم غير قادرين على أداء أعمالهم بطريقة صحيحة وفعالة, وبالتالي صارت السيطرة على هذا السلوك الغير الرشيد حتمًا مقضيًا، ولذا ستجد أن جميع النماذج الخارجة من المدرسة الكلاسيكية تركز على فرض نموذج عقلاني ورشيد وقوي على العاملين وذلك كمحاولة للسيطرة على سلوكهم داخل المنظمة.
وسنعرض سريعًا ثلاثة نماذج من المدرسة الكلاسيكية ألا وهي: نموذج الإدارة العلمية، ونموذج العملية الإدارية، والنموذج البيروقراطي.
أولًا: نموذج الإدارة العلمية: