فهرس الكتاب
هل يتم خلاص البشرية على أيدي المسلمين من جديد؟
إن واجب الجالية المسلمة في الغرب أن تكون مظهرًا للانسجام مع البيئة, ولكن ليس من خلال ذوبان الشخصية, وإنكار الأصل الذي انحدرت منه والهوية التي تنتسب إليها, بل من خلال الأخلاق التي تجعل الفرد من أبناء هذه الجالية موضع تقدير واحترام، وتجسد الصورة الصحيحة لهذا الدين, إن على الجالية المسلمة أن تحترم النظم السائدة في المجتمع الذي تعيش فيه, بمقدار ما تكوّن هذه القوانين والنظم صورة حضارية تجسد كرامة الإنسان وإنسانيته، وبمقدار ما تكون سببًا للأمن والاستقرار في المجتمع الذي يعيشون فيه؛ لأن ذلك قاسم مشترك بين المبادئ الإسلامية وتلك النظم. إن هذا يوجب على الجالية المسلمة أن تكون سفير صدق لدينها, ولن يتحقق ذلك إلا إذا كانوا صورة تجسد بصدق مبادئ هذا الدين وأخلاقه.
إن أعظم رسالة يمكن أن تصحح تصور الغربيين وغيرهم عن ديننا وعن أمتنا, تتمثل في أن يكون أبناء الجالية الإسلامية, ملتزمين بدينهم وتوجيهاته في أخلاقهم ومعاملتهم, سواء في حياتهم المنزلية وعلاقاتهم الأسرية, أم في معاملاتهم مع الآخرين, أم في عبادتهم لربهم, أم في سائر شؤونهم وتصرفاتهم, وأن يكونوا صورة تمثل بصدق ما أمرهم به الله تعالى. عندئذ سيجدون أثر ذلك في هذا المجتمع الغربي وغيره يتجلى في أعظم مظاهر التقدير والاحترام. ولا أدل على ذلك من وضع المسلمين في جنوب شرق آسيا إذ كان لوجودهم من خلال نشاطهم التجاري وتعاملهم المادي مع أبناء تلك البلاد ما عرفه التاريخ من الأثر العظيم. وإن أول مسؤول عن تشويه صورة الإسلام والمسلمين في نظر الآخرين هم المسلمون أنفسهم, عندما يتناقض كلامهم مع أفعالهم, ويحملون اسم الإسلام ولكنهم في تصرفاتهم وأخلاقهم على نقيض ذلك. وبيان ذلك لا يخفى على أحد.
إن هذه الحقيقة لتوجب على الجالية المسلمة أن تتحمل مسؤولياتها أمام ربها أولًا. وأمام أبنائها ثانيًا، ثم أمام أبناء المجتمع الغربي أخيرًا؛ بأن تتعلم دينها وأحكامه ومثله الأخلاقية على درجة من الإحاطة والدقة والوعي, من مصادر موثوقة ومؤتمنة, ثم أن تجسد ذلك في عقيدة تؤمن بها بصدق ويقين, وسلوك تلتزمه بإخلاص وأمانة, دون ازدواجية ولا نفاق. وأخلاق تلتزمها في كل علاقاتها وتصرفاتها. فديننا إنما بُعث به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليتمم به مكارم الأخلاق. والتزام بأحكام هذا الدين, سواء في ضبط علاقة الإنسان مع ربه أم مع أهله أم مع الآخرين على اختلاف صفاتهم. ألم يقل ربنا تبارك وتعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34] , ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: 'وخالق الناس بخلق حسن'.
إن أخلاق المسلم سجية يجب أن تكون متأصلة فيه, وليست مجرد مظهر يتجمل به أمام الناس, كلما أراد. إنها منه أشبه بلون بشرته الذي لا يتغير, وليست مجرد ثوب يلبسه متى شاء ويخلعه متى شاء. أرجو أن تغدو الجالية المسلمة على مستوى مسؤولياتها ولاسيما بعد الزلازل العنيفة التي هزت العالم في الفترة الأخيرة, وغدا يبحث عن الخلاص, فهل يكون المسلمون سببًا لسعادة البشرية وخلاصها مرة أخرى؟
أسباب تصدع الأسر وتفككها
الاثنين 25 ربيع الآخر 1425 هـ - 14 يونيو 2004 م
تعاني الأسرة في المجتمعات العربية والإسلامية من إشكاليات عدة عويصة تهددها في أمنها واستقرارها ومستقبلها, ولعل أهم هذه الإشكاليات الخطيرة توتر العلاقات بين أفرادها وتدهورها بين الأزواج والأولاد, ونشوب أشكال النزاع والشقاق والصراع, وتحلل القيم الأخلاقية والتربوية وغياب أواصر المحبة والرحمة والمودة ... وكل هذه الظواهر السلبية تهدد الأسرة المسلمة في الوقت الراهن بالتفكك والتصدع وما يترتب عن ذلك من نتائج سلبية وخيمة, ولاسيما على الأطفال والشباب الذين يصبحون ضحايا هذا التفكك ويصابون بكل الأمراض الاجتماعية والصحية والنفسية الخطيرة, مثل الفشل الدراسي والتشرد والجنوح والانحراف بكل أنواعه: العقدي والفكري والخلقي والسلوكي ... فما مظاهر تفكك الأسرة المسلمة وتجلياتها في الوقت الحاضر.
مظاهره
تتعدد مظاهر التفكك الأسري وأعراضه في المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وتتنوع وتختلف من أسرة إلى أخرى, وأهمها ما يلي:
ـ لم تعد الروابط الأسرية وثيقة ومتينة بين أفرادها, ولاسيما بين الزوجين كما حددها الإسلام في قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] وهكذا تحول المنزل من مقر للسكينة والاستقرار إلى مكان لأشكال النزاع والشقاق والصراع مع الأسف الشديد.
ـ تحلل القيم الأخلاقية داخل الأسرة, كالاحترام والطاعة, حيث لم يعد الأبناء يوقرون آباءهم ويحترمونهم, وهذا يتنافى مع القيم والمثل الخلقية والتربوية لديننا الحنيف, ومخالفة لقوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23, 24] .
لقد انتشر العقوق في مجتمعاتنا الإسلامية اليوم وهو من الأسباب المفضية إلى هلاك الأمم ونزول البلاء والمصائب ...
ـ غياب صلة الرحم وحق الزيارة والمودة من طرف الأبناء في حق والديهم بفعل عوامل عدة, وهذا ما ينذر بعواقب وخيمة وسخط الله وغضبه ومقته في الدنيا والآخرة, قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22, 23] .
ـ توتر العلاقات الأسرية وتدهورها فيما بين الأبناء ونشوب أشكال النزاع والشقاق فيما بينهم, وانعدام الموارد والتواصل والتفاهم والتعاون ... وهكذا انحدرت العلاقات الأسرية في عصرنا الحاضر إلى درجة بالغة السوء والتدني, ومن مظاهر هذا الانحدار توتر العلاقات الأخوية واضطرابها بين الأخ وأخيه, والأخت وأخيها ... فقد أصبحت العلاقات فيما بين الأخوة والأخوات الذين ينحدرون من أسرة واحدة ومن أب واحد وأم واحدة تتميز بالفتور وانعدام الحوار والتفاهم, بل وتصل أحيانًا إلى الصراع والنزاع والتقاتل عوض المودة والترابط والتساكن التي أمرنا بها الشرع الإسلامي الحنيف.
دوافعه
لقد أصيبت الأسرة المسلمة اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالتفكك والتصدع بفعل عوامل عدة, دينية واجتماعية وسياسية وثقافية .. ويمكن أن نستعرض ونحلل أهم هذه الدوافع في النقط التالية: