فهرس الكتاب

الصفحة 1867 من 1942

إن قيم الشهادة والشهود والتجربة التاريخية، التي تجسدت في حياة الناس، بمختلف أحوالهم وأوضاعهم وأجناسهم، فأنتجت حضارة لبني الإنسان جميعًا، هي قيم ومعايير واقعية غير خيالية أو طوباوية مثالية غير قابلة للتطبيق، لذلك فهي باستمرار مؤهلة للشهود والشهادة على الناس.

فالقيم التي تعتبر الخيار وعدم الإكراه مرادفًا لإنسانية الإنسان وكرامته، هي قيم مؤهلة للحكم والشهادة والقيادة للناس.

والقيم التي استوعبت الحركة الحضارية التاريخية، وقدمت قوانين وأسبابًا وسننًا لسقوطها ونهوضها، وانتهت إليها أصول النبوات السابقة، واستصحبت الصواب من تاريخ الإنسانية وتجاربها، وحددت مواطن الخلل، وحررت المعايير في الانحياز، مؤهلة للشهادة على الذات و (الآخر ) .

وحسبنا أن نقول: بأن المساواة والعدالة، وحرية الاختيار، والشورى في اختيار الحاكم وإدارة شؤون الحكم، وإيقاف تسلط الإنسان على الإنسان، وإقامة حراسة بإيقاظ الوازع من داخل النفس، ووضع تشريع ملزم من خارج النفس لضبط المسيرة، هي قيم جديرة بالشهادة على الذات و (الآخر ) .

من هنا نقول: إن مصدرية هذه القيم وخصائصها، هو الذي مكنها من البقاء والاستمرار والقدرة على الإنتاج في عصور متعددة وشعوب متعددة وجغرافيا متعددة، بحيث لا تستطيع أمة أن تدعي لنفسها هذه القيم إلا بمقدار ما تلتزم بها وتحملها (للآخر ) لإنقاذه من أزماته، واسترداد إنسانيته.

إن من المسلمات التاريخية أن الحضارات والأمم بقيمها وأفكارها القادرة على الإنتاج في كل الظروف والإمكانات، وليست بعالم الأشياء المادية، وأن عالم الأفكار إذا بقي سليمًا معافى ومحفوظًا، يؤهل الأمة التي تحتفظ بتلك القيم باستمرار لإمكانية معاودة النهوض، ولا أدل على ذلك من القيم الإسلامية الحضارية التي استطاعت باستمرار أن تنتشل الأمة، وتحميها من الموت، وتدفعها إلى معاودة النهوض والإقلاع الحضاري.

ولعل من الملفت أن سنن التداول الحضاري، أو الدورات الحضارية، التي حكمت الحضارات جميعًا، سقوطًا، ونهوضًا، وهي سنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل: (فلن تجد لسنت الله تبديلًا ولن تجد لسنت الله تحويلا ) (فاطر: 43) ، لم تنج منها الحضارة الإسلامية، لأنها قانون الحركة التاريخية، الذي أكده القرآن، كتاب الأمة المسلمة . في شهوده التاريخي.. إلا أن القيم الإسلامية، أو عالم الأفكار المستمدة من النبوة، كانت شاهدة على الأمة المسلمة، فمكنتها من اكتشاف الخلل ومعاودة النهوض حال السقوط، وكانت شاهدة ودافعة للشهادة على (الآخر ) .

لقد حقت سنة التداول الحضاري بعالم الأشياء في الأمة المسلمة، كغيرها من الأمم، عندما غابت شهادتها على نفسها، ولكنها لم تصب عالم الأفكار والقيم، لأنها ليست من وضعها، وليست ملكًا لها، وبقي الإمكان الحضاري كامنًا في عالم أفكارها، في قيمها.

وبمجرد أن تتمكن الأمة المسلمة من إعادة التعامل مع عالم أفكارها، وتقويم واقعها بقيم الكتاب والسنة، وتحديد مواطن الخلل وأسبابه، لا تلبث أن تعاود النهوض، الأمر الذي لم يتحقق لسائر الحضارات البشرية التي سادت ثم بادت وتحولت من شاهد إلى مشهود.

والحقيقة التي لا بد من التذكير بها هنا، هي أن الكلام عن القيم وعظمتها وخلودها، وبعدها عن وضع الإنسان وعبثه، واستجابتها لحقائق الحياة والحاجات الإنسانية الأصلية، ومراعاتها للفطرة وعدلها، وما إلى ذلك، لم يدع استزادة لمستزيد في الأدبيات الإسلامية المعاصرة، وكأن ذلك في بعض مراحله أصبح نوعًا من التعويض والاحتماء، بينما يجب أن يتحول الكلام - في تقديرنا - في معظمه إلى كيفية الشهادة على الذات التي تؤهل للنهوض والشهادة على (الآخر ) .

إن تحديد مواطن الخلل، وإعادة تقويم الذات بقيم الإسلام، ووضع البرامج والآليات لذلك، أصبح ضرورة حضارية، ذلك أن عظمة هذه القيم لا تتناسب مع خيبة واقع الأمة التي تُنسب إلى هذه القيم.

إن عدم الشهادة على الذات، وإعادة تقويمها بقيم الإٍسلام، نوع من الخيانة الحضارية للذات و (الآخر ) ، ومحاصرة للقيم نفسها، وعزلها عن الحضارة والشهود الحضاري.

وقد لا نحتاج إلى التأكيد أن قيم الإسلام بعد هذه الرحلة الحضارية والتجربة التاريخية والإنجاز الحضاري، لم تعد بحاجة إلى شهادتنا عليها، وإنما نحن بحاجة لشهادتها علينا.

إن خيانة الحضارة الإنسانية، فتح للباب أمام الفساد الكبير والفتنة في الأرض، ووقوع في المسؤولية الكبرى، وعطالة حضارية في عدم الاستجابة لقوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير ) (الأنفاق: 73) .

إن غيبة الشهادة على الذات، التي تقود إلى الشهادة على (الآخر ) ، تؤدي إلى مسؤولية كبرى.. فإذا كان من خصائص الأمة المسلمة الشهادة على الناس، فإن النكوص والغياب عن هذه الشهادة إضاعة للحق والعدل والأمن، وإيذان بالسقوط الحضاري البشري.

وفي هذا الجزء الثاني من الكتاب، الذي يعتبر استكمالًا للجزء الأول، الذي حاول الباحث فيه أن يعرض لقصة الحضارة والعوامل المؤثرة في التحضر، ويرصد مسارات حركة التحضر، ويقدم نبذًا عن الرؤى المتعددة والرئيسة لدورات التحضر، على المستوى الإسلامي والمستوى العالمي، وأشهر المذاهب والتفسيرات لحركة الحضارة والفعل الاجتماعي، مما يكاد يشكل مسحًا للمكتبة الحضارية إلى حد بعيد، يمكن أن يكون أحيانًا تجاوز فيه الاقتصار على الإحالة إلى المراجع إلى إثبات الكثير من المساحات المقتبسة منها، ولعله أراد بذلك التقدم بخطوات أكثر باتجاه القارىء، حيث قد يُرى أنه لا بد أن يترك لجهده وتفكيره استكمال بعض الجوانب ليكون القارىء شريكًا في العملية الثقافية.

لقد حاول الباحث في هذا الجزء - ما أمكن - الإحاطة بالرؤية الإسلامية، والتوقف عند بعض خصائصها وأبعادها المتفردة، التي أهلتها للشهود الحضاري على الذات و (الآخر ) .

ولعل من الأهمية بمكان أن نوضح، أن ملف الشهود الحضاري ملف مفتوح ومستمر استمرار التاريخ على الأرض، بكل ابتلاءاته، وهو محتاج بطبيعته لاستكمال شعبه المعرفية وأدوات بحثه واستصحاب قيم الوحي لهداية العقل.. وسوف لا يغلق، ولا تتوقف الشهادة والمسؤولية الحضارية، حتى تتوقف الحياة، بكل مناشطها وتضاريسها وسقوطها ونهوضها.. وستبقى قيم النبوة الخالدة الثابتة البعيدة عن وضع البشر وعبثهم وأهوائهم، هي الشاهد على البشر جميعًا، سواء في ذلك أمة الاستجابة أم أمة الدعوة.

والحمد لله رب العالمين

الله تعالى، الكون، الإنسان، الشهادة على الناس

أولًا: الله تعالى وصفاته

إذا نظر الإنسان فيما حوله، فماذا سيجد؟ نفسه والكون"الطبيعة"من حوله.. فإذا تساءل: من خلق الكون وما فيه؟

أنا خلقت نفسي وما حولي؟! الكون خلقني وما حولي؟! من نظم الكون، من جعله يسير وفق سنن تضبط حركته، وتمنع خرابه؟ لا يتصور عاقل أنه خلق نفسه ولا غيره ولا الكون.

إذن لا بد أن يكون الخالق"قوة"ثالثة، حية مريدة عاقلة مسيطرة، وهي الله تعالى.

قد يعترض إنسان فيقول: هذه ليست طريقة علمية في الإثبات أو الاستدلال. نعم إن العلوم لا تثبت ولا تنفي العالم الروحي، رغم أنها تعالج وتفسر الكثير من الظواهر، التي تحدث في الطبيعة والكون، والتي تكون مبنية على أساس فلسفي بحت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت