لقد أضحى من المؤسف جدًا أن القاعدة التي تقوم عليها مجتمعاتنا قاعدة هشة مضطربة، إذ ما أن تحدث مشكلة ما، أويقع اختلاف بين مجموعتين أو شخصين مشتركين في العمل، حتى تراهما يفترقان في خضم جوٍ من تبادل التهم والافتراءات.. وهذا الواقع المؤسف ليس هو الذي حرضنا عليه ربنا وشريعتنا في الحياة!!
فإلى مَ نعيش مثل هذه الأجواء الموجودة؟ ومتى نحاسب أنفسنا ونقودها باتجاه ما أوصى به القرآن وما دعانا إليه النبي وأهل بيته عليهم السلام؟
وقد قال الشاعر:
الأممُ الأخلاقُ، ما بقيت بقوا
وإنْ هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
أما الحديث الشريف المروي عن الإمام محمد الباقرعليه السلام، يقول: (وإنَّ اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها) (12) . فترى ما هي العلاقة بين اليمين الكاذبة وبين انهدام المجتمع وتلاشي الحضارة وخراب البلاد؟!
والجواب؛ إن ما يجمع الناس هو الثقة، وأن أساس الحضارة هو الثقة المتبادلة بين أفرادها، فإذا تبخرت الثقة تبخرت معها الحضارة وتهدمت وتلاشت. واليمين الكاذبة لا تعني إلا محاولة قائلها استغفال الآخرين لاستغلالهم، وحينما تتفشى ثقافة الاستغلال هذه تذهب الحرمات. ولا شك أنه لا حضارة دون قوانين وحرمات، والالتزام بالقوانين ورعايةللحرمات..
وبهذا الصدد يقول الكاتب الجزائري مالك بن نبي كلمة جميلة - رغم تحفظنا عليها من وجهة النظر التاريخيةوالعقائدية-: لقد ارتفعت الأمة الإسلامية وسمت يوم آخى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بين الأنصار والمهاجرين.. ولكن العدالعكسي لهذا الارتفاع سرعان ما بدأ حينما اقتتل المسلمون في حرب صفين، فأصبح مجتمعًا بلا أُخوّة.
ورغم ذلك أقول: نحن لدينا - بتوفيق اللَّه - بقايا من آثار الوحي، وبقايا من أخلاق أجدادنا وآبائنا، ولدينا بقايا من تعاليم ديننا.. ولكن هذه البقايا لم تعد تكفي لبناء حضارة، والأمر الملحّ هنا هو تعميقها وتكريسها وتوسيعها ووضعهاعلى أسس واضحة.. فلا يكون أكبرُ همِّ أحدنا التفكير بنفسه، بل لابد من التفكير بالآخرين ومطالبهم واحتياجاتهم وحقوقهم وحرماتهم. ومن طريف ما يذكر نتيجة الإحصائية التي أجريت في الولايات المتحدة الأميركية، حيث علم أن معظم الكلمات المتبادلة عبر الهاتف هي كلمة (أنا) مما يعني تصاعد حدة الأنانية في هذا البلد ذي المظهرالقوي..
نعلم وتعلمون أن الحضارة تعني التقدم والازدهار، ولكن هذا التقدم والازدهار ليس له أن يحدث في ظل السعي الفردي البحث، إذ اليد الواحدة عاجزة على التصفيق..
فتعالوا إلى البدء بالضد من ذلك، فنفكر بالفقراء في مقابل كل مرة نفكر بأنفسنا، ولنسعَ إلى نجدة المحتاجين إزاء ما نوفرلأنفسنا المستلزمات، ولننظر إلى من هو أدنى منا، كما نتمنى مواقع من هم أعلى منّا.. وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: (من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ) (13) . فإن كنا عاجزين عن تقديم خدمات إلى الناس، فلنهتم بهم ونتعاطف معهم على الأقل، لأن ذلك ينتهي إلى أن ننصفهم من أنفسنا من جهة، وإلى أن اللَّه سبحانه وتعالى حينما يرانا نهتم بالآخرين، فإنه سينزل علينا رزقه الكريم ويفتح علينا أبواب رحمته إن شاء اللَّه تعالى.
التوكّل وقود الحضارة
هناك نظريات عديدة تقول: إنّ أمام المجتمعات دورات عديدة يجب أن تمرّ بها قبل أن تصل إلى ذروة الحضارة، فكما أن الإنسان لابد أن يمرّ بدورات حتى يصل إلى مرحلة الكمال في النموّ، فكذلك الحال بالنسبة إلى المجتمعات فإنها تعيش هي الأخرى ضمن دورات حياتية؛ فتترعرع كما يترعرع الأطفال ثم تنمو حتى تدخل مرحلة المراهقة، ثم تنمو أكثرلتعلن عن حضارتها، ثم لا تلبث بعد ذلك أن تعيش في حالة الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم لتزول بعد ذلك وتنهار.
وهناك البعض يرى أن تحديات معيّنة تعيشها الشعوب، تبعث فيها الحضارة، وإذا كانت هذه التحديات عنيفة غايةالعنف فإنها تتسبب في إلحاق الهزيمة النفسية بهذه الشعوب، وخصوصًا إذا كانت ضعيفة خائرة الهمّة.
أما إذا كانت التحديات بقدر همة الإنسان فلا هي ضعيفة، ولا قوية، فحينئذ ستبدأ الحضارة. والقائلون بهذا الرأي يضربون أمثلة تاريخية عديدة على نظريّتهم هذه.
فيتامين الحضارة
وفي الفترة الأخيرة اكتشف بعض العلماء والباحثين ما أطلقوا عليه اسم (فيروس التقدم ) ، وأنا شخصيًا لايروق لي هذا المصطلح كثيرًا، لإن كلمة (الفيروس ) تستخدم عادة في الجوانب السلبية، فهي كلمة تسبب في أذهاننا تداعيًا إلى حكمة المرض، ولذلك فإني سأحاول أن أغيّر هذا المصطلح لاستعيض عنه بمصطلح (فيتامين التطوّر أو الحضارة) .
إنّ أولئك العلماء والباحثين يقولون: إنهم عندما درسوا تاريخ اليونانيين القدماء رأوا أن ثقافتهم كانت في بداية نهضتهم مليئة بهذا الفيتامين، ثم قلّت نسبة هذا الفيتامين بالتدرج مع هبوط مستوى الحضارة في اليونان حتى انعدم تقريبًا من ثقافتهم.
ثم إن هؤلاء الباحثين أخضعوا بعض العيّنات التاريخية الأخرى للدراسة، فبحثوا في تاريخ الحضارة البريطانية أوالمجتمع البريطاني خلال أربعمائة عام، ثم بدؤوا يقيسون نسبة وجود هذا الفيتامين، فلاحظوا أنه كلّما كانت نسبته تزدادفي أفكار وثقافة وأدبيّات المجتمع البريطاني، فإن ازدهارًا في الاقتصاد كان يحدث؛ والعكس صحيح.
ثم بحث هؤلاء العلماء في مختلف الحضارات البشرية، حتى أنهم درسوا حياة بعض الشعوب البطيئة، فقد كانت هناك -على سبيل المثال- قبيلتان؛ إحداهما متحفزة دومًا للتقدم، ولديها من القوانين السياسية والاقتصادية والاجتماعية ماهو أفضل من القبيلة الأخرى، وعندما بحثوا في ثقافة القبيلة الأولى وجدوها غنية بفيتامين الحضارة، في حين أن نسبةهذا الفيتامين كانت معدومة تقريبًا لدى ثقافة وآداب القبيلة الثانية.
على أن الباحثين لم يكتفوا عند هذا الحدّ من الدراسات والتجارب، فاختاروا عيّنة من الأشخاص من مدينة هندّيةتسمى (كاكينادا) ، وأجروا على هؤلاء الأشخاص تجارب عملية، فزوّدهم بهذا الفيتامين ضمن دورةمركّزة خلال عشرة أيام، ثم درسوا حياتهم بعد سنتين، فلاحظوا أن تطوّرًا حضاريًا كبيرًا حدث في حياتهم بسبب وجود هذا الفيتامين.
حقيقة هذا الفيتامين ومواصفاته
ولعل سائلًا يسأل، ترى ما هي حقيقة هذا الفيتامين، وما هي مواصفاته؟
ولم يكن هذا الفيتامين إلا الشعور بالحاجة إلى النشاط، والتحرّك، والانبعاث، فهذا الشعور عندما يكون سائدًا في آداب بلد من البلدان، أو شعب من الشعوب فإننا سنرى فيه حالة من النهضة المتصاعدة.
وفي المقابل؛ فإن هناك ظاهرة أخرى تمثل السبب الرئيسي في التخلّف والجهل ألا وهي ظاهرة التردّد، والإحجام،وعدم المبادرة؛ فهناك شعوب تقول عندما تريد أن تقوم على عمل ما: (دعنا ننتظر ونبحث ونستسف) ر كماكان الحال بالنسبة إلى بني إسرائيل بعد أن أمرهم اللَّه جل وعلا أن يقتلوا أنفسهم بعد حادثة العجل المعروفة لكي يطهّروا أنفسهم، فما كان منهم إلا أن نفذوا الأمر الإلهي، وبعد فترة خرج بنو إسرائيل من التيه، وسكنوا منطقة أخرى بعد أن فقدوا تلك الحالة من الحيوية، المبادرة إلى تنفيذ الأوامر، فوصلوا إلى حالة جديدة، هي حالة التساؤلات والاستفهامات عندما أمرهم اللَّه سبحانه أن يذبحوا بقرة، فما كان منهم إلا أن انهالوا على نبيهم موسى عليه السلام السيل من الأسئلة والاستفسارات العديمة الجدوى حول نوع تلك البقرة، ولونها، وعمرها...