لكن هذا كله ليس الوجه الوحيد للظاهرة، فهناك الوجه الآخر الذي ينطوي على معطيات إيجابية، بدءًا من قبول الخلافة والأمة للتعدّديّة في بعض الأحيان وعدم رفضها أو إعلان الحرب عليها، وانتهاءً بالجهد العقديّ والسياسيّ الذي نفذه العديد من الكيانات الإقليمية لصالح الأهداف العامة للأمة والخلافة، دفاعًا عن دار الإسلام، ونشرًا للعقيدة خارج الأرض الإسلامية، أو تأكيدًا لحيثياتها في مواجهة الخصوم في الداخل، هذا فضلًا عن إثراء حضارة الإسلام بمفردات خصبة في هذا السياق أو ذاك.
ويصعب على المرء أن يخضع الحركة التاريخية للقياس بالمسطرة، وبالتالي فإننا لا نستطيع أن نصدر حكمًا أحادي الرؤية على التنوّع أو التعدّديّة السياسية في تاريخنا؛ فهي قد تضمنّت ـ كما رأينا ـ السلب والإيجاب معًا، فلم تكن شرًا كلها، كما أنها لم تبلغ
الحالة الإيجابية التي تختار فيها الجماعات ـ في إطار الثوابت الإسلامية بطبيعة الحال ـ
(تنظيمها) لحياتها بما يضمن لها حقوقها وحرّياتها في الرأي والتعبير والاجتماع والمشاركة في تقرير السياسة على قدم المساواة مع غيرها، مهما كان حجمها، مع التزامها ـ مرة أخرى ـ بالواجبات التي يفرضها عليها انتماؤها للأمة الواحدة.
وعلى الرغم من ذلك فإن بمقدور المرء أن يلحظ كيف أن التعدّديّة السياسية في تاريخنا لم تبلغ- إلاّ في حالات استثنائية لا يُقاس عليها- أن تدخل عنق الزجاجة أو تصل إلى الطريق المسدود، فتكشف عن وجه عرقي يميل إلى اعتزال قضايا الأمة أو ربما إعلان الحرب عليها، فيما يضعه في خط التشرذم الإقليمي الذي عانت منه أمتنا، ولا تزال في أعقاب الصدمة الاستعمارية وقبول فكر الغالب.
إن حضارة الإسلام وتاريخه عمومًا- كما لاحظ كثير من المؤرخين والمستشرقين- هي حضارة (الوحدة والتنوّع) ، ولقد انعكس ذلك على ظاهرة نشوء الدويلات والكيانات الإقليمية في عالم الإسلام، فصرنا نجد تنوّعًا في التشكيلات السياسية التي انشقت عن جسد الدولة، ونجد في الوقت نفسه وحدة وتجانسًا وتكاملًا في العطاء الحضاري، وفي الأساليب والأهداف الكبرى.
وفيما عدا حالات محدودة شاذة عن القاعدة الشاملة، حالات ظهر فيها عدد من الدويلات تبنّت مبادئ وعقائد باطنية وشعوبية ذات جذور غريبة عن عقيدة الإسلام وتصوّراته وقيمه، ومارست قواها الذاتية لا في الدفاع عن أرض الإسلام وعقيدته ووحدة مقدّراته، وإنما ضدّها (كما فعلت دولة قرامطة البحرين على سبيل المثال) ، بل إن بعضها (كالدولة البابكية في أذربيجان) سعت إلى عقد محالفات ومواثيق مع الأعداء الخارجيين المتربّصين على الحدود .. فيما عدا هذه الحالات فإن معظم التشكيلات السياسية التي شهدها عالم الإسلام، شاركت حسب قدراتها وطاقاتها في خدمة وحدة هذا العالم عقديًا وسياسيًا وحضاريًا، ولن تغني الأمثلة الموجزة هنا عن واقع تاريخنا نفسه.
إن حضارة الإسلام إذ تقوم على قاسم مشترك من الأسس والثوابت والخطوط العريضة، بغض النظر عن موقع الفعالية الحضارية في الزمان والمكان، وعن نمطها وتخصّصها، فإنها تنطوي ـ في الوقت نفسه ـ على حشد من الوحدات المتنوعة بين بيئة ثقافية وأخرى في إطار عالم الإسلام نفسه، بحكم التراكمات التاريخية التي تمنح خصوصيات معينة لكل بيئة، تجعلها تتغاير وتتنوّع فيما بينها في صنوف من الممارسات والمفردات الثقافية.
إنها جدلية التوافق بين الخاص والعام، أو ما يمكن عدّه أممية إسلامية تعترف بالتمايز بين الجماعات والشعوب والأمم، ولكنها تسعى في الوقت نفسه لأن تجمعها على صعيد الإنسانية، وهي محاولة تختلف في أساسها عن الأممية الماركسية التي سعت ـ ابتداءً وبحكم قوانين التنظير الصارمة- إلى إلغاء التنوع، ومصادرته، وإلى تحقيق وحدة قسرية ما لبثت أن تأكد زيفها وعدم قدرتها على التحقّق تاريخيًا. وبمجرد إلقاء نظرة على خارطة الاتحاد السوفياتي حتى قبل حركة (البرسترويكا) والرفض المتصاعد الذي جوبهت به الأممية الماركسية من قبل الجماعات والأقوام والشعوب التي تنتمي إلى بيئات ثقافية متنوعة، ومقارنة هذا بما شهده التاريخ الإسلامي من تبلور كيانات ثقافية إقليمية متغايرة في إطار وحدة الثقافة الإسلامية وثوابتها وأسسها الواحدة وأهدافها المشتركة، يتبين مدى مصداقية المعالجة الإسلامية وواقعيتها في التعامل مع هذه الثنائية كواحدة من حشود الثنائيات التي عولجت بالقدرة نفسها من الانفتاح في الرؤية والمرونة في العمل.
لقد شهد عالم الإسلام ـ بموازاة التنوع السياسي ـ أنشطة ثقافية متمايزة على مستوى الأعراق التي صاغتها: عربية وتركية وفارسية وصينية ومغولية وبربرية وإسبانية وزنجية وكردية وأفغانية وسلافية .. إلى آخره. كما شهدت أنماطًا ثقافية على مستوى البيئات والأقاليم: عراقية وشامية ومصرية وسودانية ومغربية وإسبانية وبحر متوسطية وإفريقية وأوروبية شرقية وإيرانية وتركية وتركستانية وصينية وهندية .. إلى آخره.
وكانت كل جماعة ثقافية تمارس نشاطها بحرية، وتعبر من خلاله عن خصائصها، وتؤكد ذاتها، ولكن في إطار الأسس والثوابت الإسلامية، بدءًا من قضية اللغة والأدب، وانتهاء بالعادات والتقاليد، مرورًا بصيغ النشاط الفكري والثقافي بأنماطه المختلفة. ولم يقل أحد إن في هذا خروجًا عن مطالب الإسلام التوحيدية، كما إن أحدًا لم يسع إلى مصادرة حرية التغاير هذه. وفي المقابل فإن أيًا من هذه المتغيّرات لم يتحول ـ إلاّ في حالات شاذة ـ إلى أداة مضادّة لهدم التوجهات الوحدويّة الأساسيّة لهذا الدين
محاولة خائبة لجاهليّ معاصر
"قسّ ونبي: بحث في نشأة الإسلام"
أ. د. عماد الدين خليل 2/11/1426
هذا هو عنوان بحث صدر حديثًا لرجل يدّعي أن اسمه ( أبو موسى الحريري ) ! يعالج فيه قضية تاريخية تنطوي على بعدها الديني بكل تأكيد، إلاّ أنها ـ ابتداءً ـ حلقة تاريخية تتطلب، للتعامل العلمي الجادّ مع مفرداتها، منهجًا تاريخيًا يستقصي المرويّات
كافة حول الموضوع بأكبر قدر من الأمانة، ويحذر عن مظنة الانتقاء الكيفي لتأكيد استنتاج مسبق، فيما هو ضد المنهج أساسًا.
وبإحالة هذا الذي كتبه (أبو موسى الحريري) في (قس ونبيّ: بحث في نشأة الإسلام) على عشرات، بل مئات الدراسات التي شهدتها مكتبة السيرة النبوية، سيجد المرء نفسه إزاء حالة استثنائية شاذة لا تدعمها المرويّات التاريخية واليقين العلمي، وإنما تستند إلى جملة من الأوهام والظنون والتخمينات التي تنتقي وتستبعد وتفترض، وأحيانًا ترغم الواقعة التاريخية على ما لم يكن في تكوينها أساسًا.
ليس بحثًا جادًا هذا الذي أنجزه الرجل، وإنما عبث بالحقائق التاريخية التي أجمع عليها الباحثون في الشرق والغرب بخصوص هذه المفردة الصغيرة في سيرة رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) ؛ إذ لم يكن قد التقى ورقة قبل أن تأخذه إليه زوجته البارّة خديجة
(رضي الله عنها) لتلقّي جوابه إزاء هزة الوحي الأولى التي أصابته بالحمى لوقعها المفاجئ الثقيل، وحيث أكّد ورقة، وهو الرجل الذي كان قد قرأ العهدين القديم والجديد بالعبرانية حتى كلّت عيناه، وعرف من خلال ما تبقى من معطياتهما الأصيلة، أن هذا الرجل هو النبي الذي بشّر به عيسى (عليه السلام) ، والذي سيتلقى الناموس الذي تلقاه موسى (عليه السلام) ، والذي يعرفه اليهود والنصارى من كتبهم كما يعرفون أبناءهم!