إن هذا الذي يتخيّله (أبو موسى الحريري) ويفرضه على الواقعة التاريخية لكي يطوّعها لاستنتاجاته المسبقة، ليس كشفًا جديدًا، لقد قاله العرب الأميّون قبله، زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وحاولوا - من أجل حماية وثنيتهم- اتهام الرسول (صلى الله عليه وسلم) بتلقّي كتابه عن القسس والرهبان، دون أن يدركوا أنهم وضعوا أنفسهم في مفارقة لا يمكن قبولها: إن هؤلاء الذين يلقّنون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أعاجم) في أصولهم أو في ثقافتهم ولغتهم، وإن القرآن يتنزّل بأسلوب عربي معجز مبين: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) . [النحل:103] وها هو ذا (أبو موسى الحريري) يعيد الدور نفسه، ويقع في الأكذوبة ذاتها. فإذا كان القدماء قد فاتتهم المفارقة المذكورة، فإن هذا الباحث المحدث، وهو يحاول أن يدعم نصرانيته في مواجهة الإسلام، فاتته مفارقة لا تقل ثقلًا: تلك هي أن المضامين القرآنية تنطوي على جملة خصائص تجعل مسألة التلقّي المزعومة عن (القسّ ورقة) مستحيلة بكل المقاييس. ولن يتسع المجال للاستفاضة فيها، ولذا سيتم الاكتفاء بمجرد التأشير على ثلاثة منها فحسب.
إن القرآن الكريم نفسه، بسبب من مطابقته التامة للحقيقتين التاريخية والدينية، يؤكد في حوالي عشرين موضعًا، أنه مصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، أي مطابق لبعض ما ورد في هذين الكتابين. ولكنه لا يقف عند هذا الحدّ قبالة كتابيْن تعرّضا لتحريف خطير، وإنما يمضي لتأكيد وظيفته الأخرى: تعديل الانحراف وكشف الزيف، واستئصال الأكاذيب، وإعادة الخطاب الديني الذي جاء به الأنبياء جميعًا (عليهم السلام) إلى قاعدته التوحيدية التي هي أسّ الأسس في النبوات جميعًا: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ...) [المائدة: من الآية48] .
فها هو ذا كتاب الله يحقّ الحق، ويبطل الهوى، ويدعو إلى الالتزام بهذا الحق، وعدم اتباع أهواء الآخرين من اليهود والنصارى (أي المغضوب عليهم والضالين) ، ولن يتحقق هذا على يد نبيّ أريد له أن يكون تلميذًا مخلصًا لقسّ يبشر بموروث أهل الكتاب.
وامتدادًا لهذا الصدق الرّباني، يدعو القرآن الكريم المؤمنين كافة إلى الإيمان، ليس بالقرآن فقط، وإنما بالكتب التي نزلت قبله. ولكن أية كتب هذه؟ إنها الكتب الأصيلة قبل أن تطالها يد التزوير، وليست تلك المساحات الواسعة من الكذب والتحريف التي تولّى كبرها اليهودي السابق: (القدّيس بولص) وكل المحرّفين الذين سبقوه وأعقبوه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا) [النساء:136]
ليس هذا فحسب، بل إن القرآن الكريم يكشف، بمعطياته الإلهية المنزّهة عن المداخلات البشرية الوضعية، ما كان أهل الكتاب أنفسهم يخفونه من كتبهم: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) ( سورة المائدة 15 ) .
ويمضي القرآن الكريم لكي يؤكد علم أهل الكتاب السابقين بأن القرآن منزّل من الله سبحانه بالحق، وليس بالتلقّي عن قسّ يحمل في موروثه الصدق والكذب .. الأصيل والمحرّف.. اليقيني والظنّي على السواء، بغض النظر عن أن مؤلف الكتاب يسعى لإعادة تشكيل شخصية القسّ (ورقة) بما يشتهي لكي يحقق المطابقة الجاهزة بين الدعوتين:
(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام:114-116] . مهما يكن من أمر فان السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ألم يكن الأولى بالنسبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل التعتيم على تلقّيه عن كتب السابقين، ألاّ يشير إلى تصديقه لهذه الكتب والأخذ عنها؟!
هذا إلى أن القرآن الكريم محّض مساحات واسعة لسياقات ثلاثة لا نكاد نجد لها مكانًا في العهدين القديم والجديد، ولاسيما آخرهما، وهي:
أ ـ التشريع.
ب ـ يوم القيامة: البعث والحساب والجنة والنار.. إلى آخره ..
جـ ـ الإبداع الإلهي في الخلق الكوني ..
فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عاجزًا عن أن يأتي بمواعظ التوراة
والإنجيل وقصصهما التاريخي، فكيف كان قديرًا، وبالأسلوب نفسه من الأداء اللغوي والبياني المعجز، على أن يأتي بهذه المساحات الواسعة، والمؤكدة في كتاب الله، بخصوص السياقات الثلاثة المذكورة؟ وأين هو القسّ الذي تعلمّ منه النبي؟ أم لعل (الحريري) يعمل فكره في البحث عن قسّ آخر تلقى منه النبي هذا الجانب من القرآن الذي لا نكاد نجد له أثرًا في التوراة والإنجيل؟!
أخيرًا .. لنفترض مع أبي موسى الحريري أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم- تلقى كتابه عن القسّ ورقة، فمن الذي أعطاه القدرة التي تتجاوز الحدود البشرية بكل المقاييس على إخضاع الكتب الدينية السابقة بخصوص المعطيات المعرفية، للاختبار الدقيق الصارم في ضوء كشوف لم يزح عنها النقاب وتدخل دائرة الضوء إلاّ بعد ثلاثة عشر قرنًا من لقاء النبي بالقس؟!
إن الباحث الفرنسي المعاصر (موريس بوكاي) في دراسته المقارنة للكتب السماوية الثلاثة، والتي استغرقت عشرين عامًا، وصدرت بعنوان: (القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) (عن دار المعارف ، القاهرة ـ 1978 م) يمارس مهمته كما يقول بعقل علماني ملحد لا يؤمن بأي من الأديان، ولا يسلّم بكتبها، ولكنه يخلص إلى جملة من الحقائق والاستنتاجات التي سأورد بعضها نصًّا نظرًا لأهميتها البالغة فيما نحن بصدده:
(1) "لقد قمت أولًا بدراسة القرآن، وذلك دون أي فكر مسبق، وبموضوعية تامة، باحثًا عن درجة اتفاق نصّ القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف ، قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعًا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنصّ العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة"
نظر العلم في العصر الحديث. وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد