ونفهم مما سبق أن القرآن يعتبر ما يُتخذ من أفكار أو معتقدات أو خرافات منهجًا للحياة دينًا بالمعنى العام، وإن كانت غير مقبولة عند الله، وذلك أنها تتوفر فيها تلك الجوانب الثلاثة التي أشرنا إليها سلفًا، وهي الخضوع والاعتقاد والمعتقد نفسه.
فهناك إذن جانبان للدين; باعتباره وضعًا إلهيًا، فإنه لا دين غير الإسلام، وباعتبار الواقع الإنساني فإن الدين هو كل منهج يتوفر فيه الجانب النفسي الذي يحمل الناس على التقيد به بما يحمله من وعود وتصورات، وبما يتوفر فيه من تعاليم، هذا إذا نظرنا إلى الدين كمنهج للحياة وتشريع يلتزمه الناس.
غير أن هناك بعدًا آخر ينبغي الالتفات إليه، وهو ما بينته الآية: (فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (الروم:30) ، وهذا يدلنا على أن الدين مكون أساسي من مكونات فطرة الإنسان، فإذا نقص فإن هذه الفطرة ينقص منها بعد أساسي، وهذا ما أشار إليه (باقر الصد ر) عند حديثه عن أنواع السنن التاريخية في القرآن، فالقرآن الكريم يعرض الدين، ليس على أنه تشريع فقط، بل هو سنة موضوعية من سنن التاريخ، وقانون داخل في صميم تركيب الإنسان وفطرته، بل هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا يمكن تبديلها، ولا يمكن أن تنتزع من الإنسان لأنها جزء من أجزائه التي تقومه، فالدين ليس مقولة حضارية مكتسبة يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها، فهو لا يمكن أن ينفك عن خلق الله ما دام الإنسان إنسانًا، فالدين يعتبر سنة لهذا الإنسان (16) .
لكن هذه السنة سنة مفتوحة تقبل التحدي على المدى القصير، لكن على المدى البعيد هي سنة صارمة لا تقبل التحدي، أي أن الدين قد يقع فيه التحريف، والانحراف، والتبديل، ولكن يبقى الدين مستمرًا.. إن جوهر التدين لا يمكن أن يتخلى عنه الإنسان (17) ، ولو استعاض عنه ببدائل لا دينية تحل محل الدين، غير أن الأمر في الأخير يؤول إلى الدين الحق، وهذا ما نجد القرآن يؤكده، يقول الله تعالى: (... وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) (فاطر:24) ، باعتبار أن هذا النذير يأتي للمحافظة على استقامة هذه السنة الكونية، ثم في الأخير يبين القرآن بأن هذه السنة هي التي ستنتصر، يقول الله تعالى: (ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا) (الفتح:28) ، فإن هذه السنة ستظهر بالرغم من أنواع التحدي والانحراف التي ظهرت خلال التاريخ، وبالرغم من الصور الزائفة لهذه السنة.
والخلاصة مما سبق، أن الدين يقصد به معنيان، فهو تشريع إلهي وقانون للحياة، كما أنه من جهة أخرى يمثل ظاهرة إنسانية صاحبت الإنسان منذ خلقه، وهي من صميم الوجود الإنساني المتميز بالوعي والإدراك وحرية الاختيار. ولو نظرنا إلى الدين بمفهومه الذي يدرس في العلوم الاجتماعية وتاريخ الأديان، فإننا نجد أنه يقصد به ظاهرة اجتماعية لها جانبان، هما: جانب نفسي (حالة التدين ) ، وجانب موضوعي خارجي، وهذا يتضمن العادات والشعائر والمباني والمعابد والروايات المأثورة والمعتقدات والمبادئ التي تدين بها أمة أو شعب أو مجتمع ما (18) . وهذا يقود إلى محاولة التعرف على المفهوم الغربي للدين وبخاصة من الوجهة السوسيولوجية، باعتبار أن البحث يحاول انتقاد وتقويم مفهوم ابن نبي للدين من الوجهة الاجتماعية أكثر من أي وجهة أخرى، ودوره في بناء الحضارة.
ففي اللغات الأوروبية، فإن الدين Religion يرجع إلى أصله اللاتيني، الذي يتكون من مقطعين Re الذي يفيد الإعادة والتكرار، و ligion الذي أصله Legere ومعناها الجمع والربط (19) . فالدين في أصله اللاتيني الذي ترجع إليه اللغات الأوروبية يفيد معنى الربط والجمع المتكرر مرة بعد مرة، وكأن اللغة اللاتينية تشير إلى أن مهمة الدين تكون في تحقيق الربط والجمع بين أتباعه. وسنرى ظلال هذا المعنى اللغوي تخيم على تعريفات العلماء الغربيين، الذين يجنحون إلى التركيز على وظيفة الدين أكثر من التركيز على حقيقة الدين ذاته.
فـ (شيشرون ) يعرف الدين بأنه الرباط الذي يصل الإنسان بالله.. أما (كانت ) فيعرفه بأنه الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية.. ويعرفه (تايلور ) بأنه الاعتقاد بوجود أرواح.. كما يعرفه (سبنسر ) بأنه الإيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية ولا المكانية.. أما (دور كايم ) فيعرف الدين بأنه مجموعة متساندة من الاعتقادات والأعمال المتعلقة بالأشياء المقدسة (أي المعزولة المحرمة ) ، اعتقادات وأعمال تضم أتباعها في وحدة معنوية (20) .. وأما (كرين برينتون ) فإن الدين عنده عبارة عن نسق ميتافيزيقي متكامل سواء كان سماويًا أو عقلانيًا (21) .
والملاحظ هنا، أن الغربيين يهتمون بالدين باعتباره معطىً اجتماعيًا، مهما كان مصدره، فالتركيز على الوظيفة الاجتماعية للدين التي هي الربط حول مجموعة من المفاهيم، تشكل نسقًا مقدسًا أو نسقًا غيبيًا يجيب عن التساؤلات الإنسانية
الدين في مفهوم ابن نبي رحمه الله
يرى ابن نبي أننا حينما نتأمل القرآن (يبدو الدين ظاهرة كونية تحكم فكر الإنسان وحضارته، كما تحكم الجاذبيةُ المادةَ، وتتحكم في تطورها. والدين على هذا يبدو وكأنه مطبوع في النظام الكوني، قانونًا خاصًا بالفكر، الذي يطوف في مدارات مختلفة، من الإسلام الموحِّد إلى أحط الوثنيات البدائية ) (1) . فهو قانون من قوانين الله عز وجل التي فُطرت عليها النفس الإنسانية.. وهو (فضلًا عن أنه يغذي الجذور النفسية العامة، فإنه يتدخل مباشرة في العناصر الشخصية التي تكوِّن الأنا الواعية في الفرد، وفي تنظيم الطاقة الحيوية التي تصنعها الغرائز في خدمة هذا الأنا ) (2) .
ثم يرجع ابن نبي إلى التاريخ باعتباره السجل الأمين للتحولات التي شهدتها البشرية، فيجد التاريخ يشهد أن الدين ثابت من ثوابت الشخصية الإنسانية، ليس هذا فحسب، بل إن الدين كان من وراء كل المنجزات البشرية، ولهذا فابن نبي ينتقد نظرية (توينبي ) في التحدي والاستجابة، لأنها وإن كانت تفسر قيام بعض الحضارات فإنها لا تفسر لنا قيام بعضها الآخر، كما ينتقد ما ذهب إليه (ماركس ) ومدرسة المادية التاريخية، إذ أن من الحضارات ما لا يمكن أن نفسر قيامها بالعامل المادي، مثل الحضارة الإسلامية، وحتى الحضارة الغربية نفسها، كما يتنقد ما ذهب إليه دعاة التفوق العرقي، وقيام الحضارات على أساس العرق، ويقدم الدين بديلًا تفسيريًا لقيام الحضارات ومنجزاتها عبر التاريخ. يقول ابن نبي: (كلما أوغل المرء في الماضي التاريخي، في الأحقاب الزاهرة لحضارته، أو المراحل البدائية، وجد سطورًا من الفكرة الدينية. ولقد أظهر علم الآثار دائمًا -من بين الأطلال التي كشف عنها- بقايا آثار خصصها الإنسان القديم لشعائره الدينية، أيًا كانت تلك الشعائر ) (3) ، ليس هذا فحسب، بل إن الحضارات ما أشرقت إلا من أمثال الكعبة أو معبد سليمان، ومن هناك كانت تشرق هذه الحضارات لكي تنير العالم. ولهذا يقرر أن (الدين الذي هو التعبير التاريخي والاجتماعي عن هذه التجارب المتكررة خلال القرون، يعد في منطق الطبيعة أساس جميع التغيرات الإنسانية الكبرى، وإذًا فلن نستطيع أن نتناول الواقع الإنساني من زاوية المادة فحسب ) (4) .