ولكن هذه المبادئ كانت مبادئ خاصة لا عامة، ونسبية لا كونية، وذلك أنه يجوز أن يقع الاختلاف بينهم وبين غيرهم في بعض مفاهيمها، وأنهم صرحوا فيما بينهم بما يخدم أغراضهم الاستدلالية الخاصة والظرفية من مثل تزكية الحكومة الأمريكية، والإدانة المطلقة لمرتكبي أحداث أيلول، خاصة أن الأمريكيين لا يأخذون بهذه القيم بل يأخذون بأضداد هذه القيم، وعلى هذا تكون المبادئ غير المصرح بها هي كالتالي: مبدأ التفاوت في الحقوق ومقتضاه أن المجتمعات والدول يكون لها من الحقوق على قدر امتلاكها لأسباب الحضارة والقوة المادية، ومبدأ الاستبداد بالرأي، ومقتضاه أن الحكومات والمؤسسات تقرن بقاءها بتقبّل الحقائق والقيم التي يمليها عليها أولو القوة في العالم، ومبدأ الاستهتار بالدين مقتضاه أن الأفراد والجماعات يعتقدون ما شاؤوا ولا يُسألون عمّا يفعلون، ويتظاهر الأمريكيون بممارسة هذا النظر الملكوتي حيث لا يمارسونه.
الاختلاف الفكري
الاختلاف الفكري درجات متعددة، تبدأ باختلاف أفكار الفرد الواحد، يليه اختلاف أفكار الأفراد داخل الجماعة الواحدة، ثم اختلاف أفكار الجماعات داخل المجتمع الواحد، فاختلاف أفكار المجتمعات داخل العالم.
وينقسم الاختلاف الفكري بحسب المجالات مثل الاختلاف في المفاهيم، وتكون هذه المفاهيم أسماء خاصة تدل عليها، وتوضع لها تعاريف تحدد مضامينها مشكلة بذلك إطارات أو نطاقات مفهومية، وتتخذ أشكالًا متعددة مثل التقديم والتأخير، والتداخل والتباين، والاتساع والضيق، والتعميم والتخصيص، والاختلاف الثاني يكون في الأحكام، ويكون اختلاف في مضمون الحكم، وفي دليل الحكم وفي نتائج الحكم، والاختلاف الثالث يكون في القيم، مثل اختلاف القيم الاعتقادية والخلقية والقيم المعرفية التي تعلق بالحقيقة، والاختلاف الأخير الاختلاف الفكري التعاوني والاختلاف الفكري التعارفي، وهناك اختلاف فكري لين واختلاف فكري صلب الذي يحصل بين أمتين متعاونتين.
الفكر الاثنيني
إن الأمة الوقحة قد لا تكتفي برفع التصلب في الاختلاف الفكري إلى أعلى الدرجات، بل تتعداه إلى أن تخط خطًا يفصل بينها وبين باقي أمم العالم، بحجة أنها هي التي تنتج الفكر وتستحق أن تنتجه، وسواها لا يستحق أن ينتجه، ولا تفتأ تثبت أنها على حق فيما تعتقد وغيرها على باطل، وهي لا تنبذ التعامل مع الأمم الأخرى، لكن تأخذ بطريق التعاون وحده، ناقلة له من حال التعاون على المعروف إلى حال التعاون على المنكر، فهي تلغي حق الاختلاف الفكري، وتجعل مكانه التقابل بين نقيضين"وجود الفكر"و"عدم الفكر"وهذا المنحنى يُعرف باسم"الاثنينية".
ويعتمد الفكر الاثنيني الركن الديني بتقسيم العالم إلى محورين: محور الخير ومحور الشر الذي يمثل فئة مرتكبي أحداث أيلول وفئة البلدان التي تؤوي الإرهابيين، والركن السياسي للاثنينية هو التقابل بين الصداقة والعداوة، قسم الأمم الصديقة وقسم الأمم العدوة، والركن العسكري للاثنينية هو التقابل بين الحياة والموت، فلا بد لحرب الإرهاب أن تلغي كل الحلول التي تكون بديلًا لشن الحرب العسكرية، وتتحول حرب الإرهاب إلى مسألة سياسية تتكفل بها مؤسسة الجيش وتدخل في نطاق المعركة الإستراتيجية، فإن أركان الفكر الاثنيني تعالج مختلف مستويات الإرهاب بواسطة أزواج مفهومية الخير والشر، الصداقة العداوة، والحياة والموت، ويرفض حق الأمم الأخرى في أن تخالف الأمة الأمريكية فيما استقرت عليه، فإما أن تكون أمريكية أو لا تكون ألبتة!
أما الأمة ذات الجهاد الأخلاقي فهي إنسانية وليست كغيرها، فيقوم الفعل الأخلاقي الكوني على التعامل الثابت الذي تبقى فيه الأعمال والتصرفات واحدة، سواء تعلقت آثارها الإيمانية والخلقية بالذات أم تعلقت بالآخر، وتقوم على التعامل المميز وهو الذي تختلف فيه الأعمال والتصرفات باختلاف من تتعلق به آثارها الإيمانية والخلقية، وهي تقوم على القوة المعنوية، حيث تقوم الاثنينية المتمثلة في الفكر الاثنيني على القوة المادية.
يقوم الفكر الاثنيني على مبدأ التقابل بين الذات والآخر، بينما الجهادية الأخلاقية تقوم على مبدأ الجهاد الذي يتوجب التداخل بين الذات والآخر بازدواج الشعور بالذات وبالشعور بالآخر، من يبذل روحه من أجل أن يحفظ روح غيره، وتقوم على تعدد الذات بحيث تكون ذاتها بعد كل تقلب مختلفة عن ذاتها قبل هذا التقلب، والأمة المجاهدة لا تكون بذات واحدة بل ذوات كثيرة متتالية، كما أنها تتجنب كل الأغراض الذاتية والمصالح المادية التي قد تفسد قصدها الجهادي، وهي لا تتسيب في استعمال الوسائل في قتل الآخرين، وترتقي الأمة المجاهدة في مراتب الإيمان حتى تنزل أعلاها بدوام الإحسان، وهي لا تهول جانب السوء في أفعال الأمم الأخرى كما تهوله الأمة الاثنينية، ولا توسع دائرة الأمم المخالفة كما توسعها الاثنينية السياسية، بل تعمد إلى تضييق نطاقها قدر المستطاع، وهي أمة محسنة لا تغلق بابًا نقدًا لذات بل تبلغ في فتح هذا الباب ما لا يبلغه سواها.
ولدوام الحياة فإن الاضطرار إلى الاستشهاد يكون مبدأ الحياة؛ فهي تجود بأرواح أبنائها؛ حيث لا ينفع سبيل آخر في حفظ حياة الآخرين، ولا يكون بذل الروح إلا حيث يتعذر وجود بديل آخر، والاستشهاد لا يلجأ إلى قوة السلاح بل إلى قوة الأخلاق، ولا يقتل المدنيين عن سابق تخطيط كما تقتلهم حرب الإرهاب.
الفكر الأُحادي
الفكر الأُحادي هو عبارة عن مفاهيم مكررة، وأحكام مقلدة واستدلالات جاهزة في مختلف المجالات التي تعني المواطنين في أحوال معاشهم، وهو يأتي على شكل حلقات متصلة بعضها ببعض، مثل الحلقة الإعلامية والتي تقوم على أن العنصر السياسي يتقدم على العنصر الاجتماعي، وبذلك تضفي المشروعية على المصالح السياسية للأنظمة الحاكمة، والحلقة الاقتصادية، وبها يتقدم العنصر الاقتصادي على العنصر السياسي فتضفي المشروعية على مصالح المؤسسات الاقتصادية، والحلقة المعلوماتية، وفيها العنصر المعلوماتي يتقدم على العنصر الاقتصادي وبذلك تضفي المشروعية على مصالح الشركات المعلوماتية الكبرى.
ويتميز الفكر الأُحادي بأنه فكر واحدي وتقليدي وتمجيدي يمجد العولمة، وهو فكر مصلحي يخدم مجموعات قوى مخصوصة، فنجد أن هذا الفكر الأُحادي فكر بلا أمة بلا أخلاق، ووقاحة هذا الفكر وقاحة اجتثاث، إذا كان الأصل في الوقاحة هو الصلابة فلا أصلب من هذا الفكر، فهو فكر مبني للمجهول فنقول: إنه فكر الأمة المجهولة.
الإيمان والارتقاء والاكتمال
إن الأمة المسلمة تجمع بين أرسخ تأصيل للتخلق وبين أوسع اتصال للديمومة، وهي تضع معايير توصل إلى تقويم هذه القدرة مثل معيار الخاصية الفعلية والخاصية القصدية والخاصية العمومية، ويظهر فعل الجهد مستوفيًا هذه المعايير، ويعتمد الجهد الارتقائي في تفعيل الإيمان إلى أنه يكون صادرًا عن الروح، ويتجلى في العمل بالقيم؛ فيأخذ المسلم قيمه من الدين الخاتم الموافق لكمال الفطرة، محققًا في كل أفعاله، ابتغاء التقرب إلى الله.
أما الجهد الاكتمالي هو عبارة عن بذل أقصى الطاقة، وهناك معايير تحدد قدرة الفعل تأصيل الخلق معيار المساواة، ومعيار العدل، فتضفي الأمة المسلمة على تعاملها مع الأمم الأخرى صبغة قدسية عليا تجعل التعاون معها على المعروف تعاونًا على أوامر الذات الإلهية التي نزلت بها أديانها، وتعتمد على أركان طلب المحنة، وتحصيل الإخلاص، والتمسك بالحرية، والتحلي بالصبر.
الاستراتيجية المقبلة لما بعدالعراق (1/2)