ولكن .. مع هذا ، وعلى الرغم من وضوح هذه الحقيقة البديهية ، فإننا ما نزال نقع في الخطأ نفسه، ونتخبط في معالجة كثير من المشكلات ، فنلجأ إلى (الضرب) في معالجتها ، على طريقة الأقدمين في طرد الأرواح الشريرة!
وكثيرًا ما نتساءل في استغراب حائر بعدما حصل: كيف لم نصل إلى حل مع أننا بذلنا غاية جهدنا؟!
والجواب على هذا التساؤل الساذج واضح لا لبس فيه ، فنحن لم نسلك الطريق الصحيح إلى الحل ، ولم نبذل الجهد في محله ، فذهب هباءً منثورًا .
واقعنا المعاصر
.. وحين ينظر أي مسلم غيور على أمته ودينه إلى حال هذه الأمة اليوم ، فإنه لا يشعر بالرضى أبدًا ، لأنه يراها في حال من الضعف والهوان ، وقد تكالبت عليها أمم الأرض قاطبة ، حتى باتت نهبًا لكل طامع !
ونتساءل من جديد ( ذلك السؤال القديم الساذج ) : أَنَّي هذا ؟ وكأننا بهذا السؤال ننفي تبعة هذه الحال عن أنفسنا ، والله عز وجل يقول: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) (الشورى: 30) .
أجل إن هذا الحال من أنفسنا نحن ، من غفلتنا عن منهج الله ، وعن سننه في الخلق ، وإن واقعنا ليشهد بهذه الحقيقة بلا جدال .. ولنأخذ - على سبيل المثال لا الحصر - بعض السنن التي جعلها الله طريقًا للفلاح والنجاح والسيادة ، ثم لننظر كيف فرطنا بها، ففرط الله بنا ..
فقد جعل الله عز وجل سنة للنصر لا تتخلف إلى يوم القيامة ، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) (محمد: 2) .. وها نحن مهزومون في كل ميدان ، أمام أنفسنا ، وأمام أعدائنا .. مما يعني أننا لم ننصر الله حق نصره!
كما جعل الله عز وجل سنة لإرهاب العدو ، وقذف الرعب في قلبه ، فقال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) (الأنفال: 60) .. فماذا يقدم لنا واقعنا الحالي؟ إنه يقدم لنا صورة مهزوزة هزيلة غير هذه الصورة، التي أمرنا الله أن نكون عليها ، إذ نرى ديارنا تعيش اليوم تحت رحمة الدول المستكبرة الكافرة ، بعد أن كنا سادة الأرض .. وقد نزع الله رهبتنا من قلوب أعدائنا ، فلا يقيمون لنا وزنًا ، ولا يلتفتون إلى رأينا حتى في القرارات المتعلقة بمصيرنا نحن !!
وجعل الله عز وجل للبركة والغنى وسعة الرزق سنة كريمة ، فقال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) (الأعراف: 96) .. وها هي ذي ديارنا تعاني من الفقر والجوع، والجهل والمرض ، على الرغم مما تزخر به أراضينا من ثروات هائلة .. مما يعني أن نفوسنا تعيش اليوم أزمة إيمان وتقوى . (ولا حول ولا قوة إلا بالله) !
وهكذا .. إن أردنا أن نعدد السنن التي أخللنا بها في واقع حياتنا لأعيانا العد ، وكأننا لم نسمع قول الله جلت قدرته ، وهو يتوعد الذين يخالفون عن أمره أشد وعيد: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) (النور: 63) بل إنه سبحانه ليتوعدهم بما هو أشد من ذلك .. إنه يتوعدهم بالهلاك (وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) (محمد: 38) .
حقيقة لابد من الاعتراف بها ، على الرغم من مرارتها .. إننا اليوم نعيش في غفلة عن سنة الله في الخلق، مع أننا لا نفتأ نردد ليلًا ونهارًا قول الحق تبارك وتعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (آل عمران: 137) ونردد كذلك قوله تعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا ) (النساء: 123) ثم .. لا نعمل بمقتضى هذه التوجيهات الربانية الحكيمة !
فلا نحن نسير في الأرض ، فننظر كيف سارت حياة الأمم التي سبقتنا ، فنعتبر بها ، ونأخذ السنن التي تعيننا على أداء أمانة الاستخلاف ، كما أمرنا رب العزة سبحانه.
ولا نحن نتعامل مع الوجود من حولنا تعاملًا واقعيًا يراعي سنن الله في هذا الوجود ، بل نتعامل معه تعاملًا خياليًا ينبع من الأماني والأحلام .. ونحسب - فوق هذا - أننا أصحاب امتياز على سائر الأمم الأخرى ، مادمنا مسلمين ، دون أن نعطي هذا الإسلام حقه في العلم والإخلاص والتضحية.
فهل نستغرب بعد هذا ، ونحن نسير عكس الريح ، ألاّ يصل المركب بنا إلى حيث نريد ؟!
ولعل أعجب ما في أزمتنا أننا - على الرغم من كل الأخطاء التي نرتكبها - أننا لا نعجز عن اختلاق المبررات والأعذار أمام أنفسنا وأمام الآخرين .. فما أيسر أن نتهم الريح أنها جاءت من الشرق ، بدل أن تأتي من الغرب ، وأما الاعتراف بأننا أخطأنا فوضعنا المركب عكس الريح .. فهذا ما لا يكون أبدًا !!
وعلى هذه الشاكلة النكدة ، تمضي سيرتنا مع كل قضية نواجهها ، فنتعامل معها من منطلق أننا دومًا على صواب ، ونزعم أن الظروف الخارجية لم تكن مواتية ، وأنها هي التي ارتكبت الخطأ ، لا نحن .. وعلى هذا المنوال تدخل القضية في متاهة ( الاستحالة ) ولا يبقى علينا إلا أن نسدل عليها الأردية القاتمة ، لنخفيها حتى عن أنفسنا ، وكأن إخفاءها سيغير من واقع الحال شيئًا !!
معالم في طريق الحل
.. إلى الذين تؤرقهم حال هذه الأمة ، وتقض مضاجعهم ، أقول: إن الطريق إلى الخروج من أزمتنا سهل وميسور حين نحزم أمرنا ، ونعد عدتنا ، ونجد السير في هذا الطريق الذي يمكن أن نتبين أهم معالمه فيما يلي ..
إن تغيير الحال التي نحن عليها اليوم لا يمكن أن يتم دون أن نغير ما بأنفسنا ، فهذه سنة من السنن المطردة التي فطر الله عليها أمور خلقه ، كما قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد: 11) .
وإن تغيير ما بأنفسنا لا يتم إلا أن نواجه مشكلاتنا مواجهة صادقة ، لا مواربة فيها ولا أعذار ، لنعرف مواطن الانحراف فنقومها ، ونكشف مواضع الخلل فنصلحها ، ونحدد نقاط الضعف فنقويها ..
وليكن الإحسان والصواب ضالتنا المنشودة (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) (البقرة: 195) ، (الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها) مع العلم بأن من أهم معاني الصواب معرفة السنن ، التي بموجبها نحقق وظيفتنا في هذه الحياة ، والتي بينها الله عز وجل في قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (الذاريات: 56) ، وأما الإحسان فهو تهيئة الشروط اللازمة، حتى تفعل هذه السنن فعلها، وتمضي بنا نحو الحضارة الإنسانية التي نتطلع إليها.
ولنكن على بينة من أن المضي في طريق هذه غايته ، لا يمكن أن يكتب له النجاح دون علم وجهد وجهاد وصبر ومصابرة ، ودون إخلاص لله ، وتقوى ، واستعداد للتضحية .
فإننا بمثل هذه العدة يمكن أن نخرج من أزمتنا بإذن الله .. ونبدأ أولى خطواتنا في درب الصعود..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.