بالإسلام صاروا خير أمة أخرجت للناس .. وبالإسلام امتد نورهم وسما ذكرهم، وعرف فضلهم. وبالإسلام بطل كيد عدوهم الذي أراد أَن ينفذ إليهم عن طريق إعادتهم إلى عصبية الجاهلية وتناحرها. بالإسلام تتماسك الصفوف، وتأتلف النفوس، وتتحول الطاقات والإمكانات إلى بناء حضارة تصان فيها كرامة الإنسان .. بالإسلام تسقط جميع السلبيات التي حالت بيننا وبين التعاون على البر والتقوى.
قد تظن أن كل بلد يستطيع أن يبني نفسه ويستصلح أرضه، ويوفر حاجة أبنائه، ويختار لنفسه من المذاهب ما شاء، ولا تدخل لأحد في شئون غيره. وهل يطلب أعداؤنا أكثر من ذلك؟ إنه السبيل لإبتلاع كل فريسة على حدة يؤكل الأبيض والأحمر والأسود، وأي تفريط في ترابطنا وتماسكنا وتداعي بعضنا البعض سيجعلنا نقول في حسرة: أكلت يوم أكل الثور الأبيض .. أكلت يوم أكل الأندلس المفقود .. ويوم ابتلعت جزر البحر الأبيض المتوسط .. ويوم استعمرت روسيا الشيوعية ديار الإسلام واغتصبت أرضه ويوم .. ويوم .. ويوم.
ولن يتوقف جشع الأكلة من الكفرة والفجرة ما لم تؤد أمتنا الإسلامية رسالتها مع نفسها، ومع الناس وتحيا مرابطة في سبيل ربها قائمة بما أوجب الله عليها .. عندئذ تستطيع أن تجير المظلوم وإن كان من غيرها، وأن تضرب على يد الظالم وإن كان منها.
عندئذ تجيب نداء من قالت: وامعتصماه بمائة ألف مقاتل، لا بمائة ألف شكوى لمجلس الأمن، وهيئة الأمم ..
عندئذ تستطيع أن تصحح مفهوم السلام بإقامة الحق والعدل في الأرض: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [73] } [سورة الأنفال] .
عندئذ نستطيع أَن نتكلم بلغة ديننا لا في شعارات غيرنا، وأن ننادي أهل الكتاب بما ناداهم الله به- يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [15] يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [16] } [سورة المائدة] .
عندئذ نستطيع أن نقدم للإنسانية كلها أسباب الأمن والسلم وهي تعيش على بركان من النار يوشك أن يقضي عليها وعلى حضارتها.
عندئذ نستطيع أَن نحافظ على أقوات الناس التي أخذت من أفواههم وحشرت في بطون المدافع في ظل حضارة صار فيها الإنسان أرخص شيء .. لقد انتقل تجار الفساد، وموقدو نار الحرب إلى أرضنا، ولن يطفئ نارهم، ويقتلع فسادهم إلا صدق ولائنا لديننا، واعتصامنا بحبل ربنا: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [120] } [سورة آل عمران] .
فإن أمتنا الإسلامية تملك من المقومات ما يحفظ شخصيتها، وتملك من الأسباب ما يحقق نهضتها من نعم الله التي لا تحصى .. والأمر يتوقف على مدى المحافظة على المقومات، والأخذ بالأسباب، وسنة الله لا تجامل أحدًا ولا تحابي، والله لا يغير ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا.
إن الأخذ بالأسباب يرتبط بالمحافظة على المقومات .. فهل يتفاعل المسلمون بمقوماتهم مع الأسباب تفاعل شكر لا كفران له، فتنبت الأرض، وينتج المصنع، ويعمر المسجد، ويشغل الفراغ، وتذهب المفسدة.
إن الأمر جد لا هزل فيه، وخطر محدق يحتاج إلى إعداد وحذر .. والميدان يتسع لكل جهد من كبير وصغير، ورجل وامرأة، وطالب وعامل.
ورجاؤنا في الله أن تكون الصحوة الإسلامية بارة راشدة، أن تكون على فقه بدينها، ومعرفة لعصرها، وحكمة وهي تدعو إلى سبيل ربها .. وأَن تكون على مستوى الأحداث التي تحيط بالأمة الإسلامية، وأن تعلم أن الأمور لا تدرك بالأماني ولا تطلب بالتمني، وإنما هو الجد والكد، والصدق والصبر، والأخذ بالأسباب .. ولقد وصف الله من يختارهم لنصره ومن يؤتيهم فضله يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [54] } [سورة المائدة] . نسأل الله أن يجعلنا منهم.
من:' مُقوِّمات الأمة وأَسباب النهوض بها' للشيخ/ محمد الراوي
الوقت في حياة المسلم
الاثنين 10 شوال 1425 هـ - 22 نوفمبر 2004 م
الوقت أغلى ما يملكه الإنسان, وهو أغلى من الذهب والفضة ومن كل غال وكريم، فما خسره الإنسان اليوم قد يعوَّض عنه غدًا، بل قد يجد ضعف أو أضعاف ما خسره اليوم, ولكن الوقت هي الثروة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها، فما ضاع منه لن يعود، وإن أهل الجنة لن يتحسروا من الدنيا إلا على الوقت الذي مضى ولم يذكروا فيه اسم الله، وحقق سلفنا الصالح الأمجاد التليدة التي خلدها التاريخ واعترف بها أعداؤنا، حققوها عندما قدروا الوقت قدره ولم يضيعوه.
فهذا ابن الجوزي رحمه الله يعتبر واحدًا من علماء الإسلام المكثرين في التأليف، كان يأتيه أمثالنا من الفضوليين، فكان يتجاذب معه أطراف الأحاديث، وفي ذات الوقت يعد أقلامه للكتابة حتى لا تضيع هذه الدقائق والسويعات، وإن علماءنا الذين نعتز بهم كابن حجر الذي لقب بحافظ الدنيا وابن تيمية وابن القيم والخطيب البغدادي وغيرهم, خلفوا وتركوا وراءهم تراثًا عظيمًا ضخمًا، رغم أنهم في عصرهم كانوا يفتقرون إلى ما به وعليه يكتبون، ونحن اليوم لدينا الكومبيوتر الذي إذا استخدمناه للكتابة نعمل أصابعنا العشرة، ومع ذلك لا يمكن أن ننتج أو نقدم معشار ما قدمه هؤلاء الذين أسلفنا الإشارة إليهم وغيرهم، هذا مع أن بعضهم خلف هذا التراث الهائل وهو يتنقل من سجن إلى سجن 'كابن تيمية', بل نجد بالكاد من بين الألف عالم اليوم من قرأ فتح الباري الذي يشكل 15% من الإنتاج العلمي لابن حجر كاملًا، يعجبني جدًا ما كتبه العلامة الراحل محمد شفيع رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء:81] ما فحوى كلامه: 'الباطل زاهق لا يمكن أن تستوي سوقه ويصلب عوده أو يمكَّن لأهله في الأرض، وإن رأيت لأهل الباطل صولة وجولة أو قوة وشوكة فاعلم أنهم تمسكوا بجانب من جوانب الحق، فبه اعتزوا وتمكنوا'.
وإنني أرى أن أهل الغرب ما تقدموا إلا بأخذهم بعض الجوانب والأحكام من شريعتنا, ومن ضمنها استغلالهم للوقت فيما يعود عليهم بالنفع، فلهم روتين يومي لا يحيدون عنه، للعمل ساعات معينة، وللراحة وقت محدد، وللنوم موعد معلوم، وبالكاد تجد أحدهم عالة على أحد أو طفيليًا، الكل يعمل ويكد ويكدح، حتى الطاعنون في السن يمضون أوقاتهم في العمل أو القراءة، يقرءون وهم بالقطار مسافرون، يندر عندهم فكرة التقاعد المعروفة لدينا, ولذلك مكن الله لهم في الأرض، فقانون الفطرة يقول: 'من جد وجد ومن زرع حصد', ومن أخلد خسر, والندم بعد فوات الأوان لا ينفع، وسنة الله لا تتغير ولا تتبدل: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62] والله لا يحابي أحدًا من عباده، فليس بينه وبين عباده حسب أو نسب، ولو كان المجد والسؤدد ينال بالتمني وبالدعاء وحده لكان الأحرى بالنبي عليه السلام - ودعاؤه ادعى للقبول - أن يملك الدنيا دون أن يتحمل المشاق والمصاعب ويخوض معارك بدر وحنين ... إلخ.