فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 1942

-وما على المسلم إلا أن يلتقط الخير من مؤلفاتهم متنبهًا إلى مواطن الدس والتحريف ليتجنبها أو ليكشفها أو ليرد عليها لأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، خاصة وأن الفكر الاستشراقي المعاصر قد بدأ يغير من أساليبه وقسماته من أجل المحافظة على الصداقة والتعاون بين العالم الغربي والعالم الإسلامي وإقامة حوار بين المسيحية (*) والإسلام، ومحاولة تغيير النظرة السطحية الغربية إلى المسلمين، وربما كمحاولة لاستقطاب القوى الإسلامية وتوظيفها لخدمة أهدافهم فلنكن حذرين.

الجذور الفكرية والعقائدية:

• لقد كان الاستشراق وليد الاحتكاك بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني أيام الصليبيين، وعن طريق السفارات والرحلات. ويلاحظ دائمًا أن هناك تقاربًا وتعاونًا بين الثالوث المدمر: التنصير والاستشراق والاستعمار (*) ، والمستعمرون يساندون المستشرقين والمنصرين لأنهم يستفيدون منهم كثيرًا في خططهم الاستعمارية.

• كان الدافع الأساسي هو الجانب اللاهوتي (*) النصراني بغية تحطيم الإسلام من داخله بالدس والكيد والتشويه، ولكن الاستشراق بعد ذلك وفي الآونة الأخيرة بدأ يتحلل من هذا القيد نوعًا ما ليتوجه توجهًا أقرب إلى الروح العلمية.

الانتشار ومواقع النفوذ:

• الغرب هو المسرح الذي يتحرك فوق أرضه المستشرقون، فمنهم الألمان ومنهم البريطانيون والفرنسيون والهولنديون والمجريون، وظهر بعضهم في إيطاليا وفي أسبانيا، وقد علا نجم الاستشراق في أمريكا وصارت له فيها مراكز كثيرة.

• لم تبخل الحكومات، ولا الهيئات ولا الشركات ولا المؤسسات ولا الكنائس في يوم من الأيام في دعم حركة الاستشراق ومدّها بما تحتاجه من مال، وتأييد وإفساح الطريق أمامها في الجامعات حتى بلغ عدد هؤلاء المستشرقين آلافًا كثيرة.

• لقد كانت حركة الاستشراق مُسخَّرة في خدمة الاستعمار، وفي خدمة التنصير وأخيرًا في خدمة اليهودية والصهيونية التي يهمها إضعاف الشرق الإسلامي وإحكام السيطرة عليه بشكل مباشر أو غير مباشر.

• استطاع المستشرقون أن يتسللوا إلى المجامع العلمية وقد عُيِّن عدد كبير منهم أعضاء في هذه المجامع في سوريا ومصر، كما استطاعوا أن يؤثروا على الدراسات العربية والإسلامية في العالم الإسلامي من خلال تلاميذهم ومؤلفاتهم.

ويتضح مما سبق:

• أن الاستشراق تيار فكري، يتجه صوب الشرق، لدراسة حضارته وأديانه وثقافته ولغته وآدابه، من خلال أفكار اتسم معظمها بالتعصب، والرغبة في خدمة الاستعمار، وتنصير المسلمين، وجعلهم مسخًا مشوهًا للثقافة الغربية، وذلك ببث الدونية فيهم، وبيان أن دينهم مزيج من اليهودية والنصرانية، وشريعتهم هي القوانين الرومانية مكتوبة بأحرف عربية، والنيل من لغتهم، وتشويه عقيدتهم وقيمهم، ولكن بعضهم رأى نور الحقيقة فأسلم وخدم العقيدة الإسلامية، وأثَّرَ في مُحْدثيهم، فبدأت كتاباتهم تجنح نحو العلمية، وتنحو نحو العمق بدلًا من السطحية، وربما صدر ذلك عن رغبة من بعضهم في استقطاب القوى الإسلامية وتوظيفها لخدمة أهدافهم الاستشراقية، وهذا يقتضي الحذر عند التعامل مع الفكر الاستشراقي الذي يتدثر الآن بدثار الموضوعية.

مراجع للتوسع:

-الاستتشراق، إدوارد سعيد- ترجمة كمال أبو ديب- مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت 1981م.

-المستشرقون، نجيب العقيقي - دار المعارف - القاهرة - 1981م.

-الاستشراق والمستشرقون، د. مصطفى السباعي - ط2- المكتب الإسلامي - 1979م.

-السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، د. مصطفى السباعي - بيروت 1978م.

-إنتاج المستشرقين، مالك بن نبي.

-أوروبا والإسلام، هشام جعيط - ترجمة طلال عتريسي - دار الحقيقة - بيروت - 1980م.

-الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط، د. جورج سارطون - ترجمة د. عمر فروخ - ط1- مكتبة المعارف - بيروت - 1952م.

-الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، د. محمود حمدي زقزوق - ط1 - كتاب الأمة 1404هـ.

-الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، محمد البهي - دار الفكر - بيروت 1973م.

-المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، د. عبد الكريم زيدان - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1981م.

-الإٍسلام في الفكر الغربي، محمود حمدي زقزوق - دار القلم - الكويت 1981م.

-الدراسات الإسلامية بالعربية في الجامعات الألمانية، رودي بارت - ترجمة د. مصطفى ماهر - القاهرة 1967م.

-أضواء على الاستشراق، د. محمد عبد الفتاح عليان - ط1 - دار البحوث العلمية - الكويت 1980م.

-المستشرقون والإسلام، محاضرة للأستاذ محمد قطب.

-المستشرقون والموضوعية، د. أحمد غراب.

المراجع الأجنبية:

أزمة الخطاب الليبرالي

محمد بن عيسى الكنعان

يؤكد الليبراليون دائمًا على ( المبادئ الحضارية والقيم الإنسانية ) .. كتحقيق الحرية الفردية.. وإقامة العدالة الاجتماعية.. وتطبيق الديمقراطية السياسية.. وإشاعة المساواة البشرية .. وتقرير الحقوق الإنسانية.. إلى غير ذلك في قائمة المبادئ والقيم ، التي يرونها تمهد ل (الإصلاح الشامل) ، وتعزز مسيرة الأمة بوسائل الفكر والإبداع كي تلحق بركب الحضارة الإنسانية الذي تجاوزها منذ قرون، لذا هم يحاربون (الوصاية الفكرية) بكل أشكالها، ويدينون سياسة (تكميم الأفواه) التي تعارض الحق الإنساني في التعبير، أو جريرة (الإقصاء) بكل صوره، لأنه نقيض احترام الآخر، كما يرفضون التدخل في شؤون الناس، أو عقلية رفض المخالف (عقائديًا) والأخذ من ثقافته، أو التحجر عند الماضي وعدم التعاطي مع الحضارة المعاصرة..!

كل هذا الوصف (النظري) ينقلب إلى خسف (عملي) عندما يقدر الله لك التعاطي مع الخطاب الليبرالي والنزول إلى (واقعه) والاحتكاك بالليبراليين على ميادين الكتابة، والتعامل معهم على مسارات الفكر الواعي أو ملتقيات الحوار الجاد، بل لا أبالغ إن قلت إنك سوف تصطدم بمن يلتهم مبادئ الليبرالية في الليل فهمًا وحفظًا، ثم يدوسها في النهار جهارًا نهارًا في أول مقال يكتبه على رقاع الصحافة، أو فكرة يترجمها إلى مشاركة إلكترونية، ناهيك عن حالة (التبلد الفكري) التي تنتابهم إزاء قراءتهم للأحداث والمواقف التي تتقاطع فيها النظرة الإسلامية مع النظرة الغربية، أو تتصادم معها على مساحات الرفض أو القبول أو الحياد، فتلك القراءة تفتقر لمنطق الأشياء في تحليل هذا الموقف أو ذاك الحدث، كما تمتاز بالازدواجية في الحكم على الأطراف الفاعلة في الحدث أو الموقف، أضف إلى ذلك الخروج البائن عن إجماع الأمة في قضية من قضاياها المصيرية بالإعلان عن هذا الخروج بموقف يتمسح بعباءة الغرب ويتغنى بفضائله الحضارية، بحجة أننا أمة رعاع ليس لها راية أو قيادة أو حضارة. ولعل احتلال العراق، أو قضية الرسوم الدنمركية المهينة، أو تصريح البابا الفاتيكاني العدائي خير شاهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت