وبالفعل لم يمض وقت طويل حتى جاءت الاكتشافات ، فأكدت صدق ما تنبأ به مندلييف ، ففي عام 1875م اكتشف عالم فرنسي أحد العناصر التي تنبأ بوجودها في الطبيعة ، وأطلق عليه اسم ( غاليوم ) نسبة إلى بلاد الغال حيث اكتشف هذا العنصر ، وفي عام 1879م اكتشف عالم سويدي عنصرًا آخر من تلك العناصر ، أطلق عليه اسم ( سكانديوم ) وبعدها اكتشف عالم ألماني العنصر الثالث ، عام 1887م وأطلق عليه اسم ( جرمانيوم ) نسبة إلى ألمانيا .. وكانت خصائص هذه العناصر المكتشفة مطابقة للخصائص التي تنبأ بها مندلييف إلى درجة تبعث على الدهشة !
وبمثل هذا الفهم لطبيعة السنن التي فطر الله عليها أمور الخلق ، يمكن أن يكتسب الإنسان القدرة على التنبؤ ببعض ما سوف يجيئ به في المستقبل ، ومن هذا المنطلق راح علماء الاستشراف المستقبلي يحدثوننا في ثقة تامة عن الغد وكأنهم يرونه عيانًا .. ومن ذلك مثلًا ( أن علماء الفلك يتنبأون بأن الليل والنهار لن يظلا على ما هما عليه اليوم بعد مرور خمسة آلاف مليون سنة مثلًا ، فهم يتنبأون أن اليوم بعد هذا العمر الطويل لن يكون 24 ساعة بحساباتنا الحالية ، بل سيصير 36 ساعة ، وهذه الحسابات لا تأتي هكذا اعتباطًا ، لأن العوامل الكثيرة التي تتسلط على أرضنا تؤدي إلى إبطاء دورانها حول نفسها ، وإبطاء الحركة ينعكس على إبطاء الزمن ، بحيث يؤدي ذلك إلى جعل يومنا الحاضر أقصر من غدنا بحوالي 000.000.25/ثانية أي 25 جزءًا من ألف جزء من الثانية .. ويتنبأ العلماء كذلك بحصول أطول كسوف للشمس( سيستمر لمدة سبع دقائق و28 ثانية ) وذلك يوم 16 تموز (يوليو) عام 2186م أي بعد حوالي 196 سنة ( أطال الله في أعماركم ) وكلنا نذكر دون ريب المذنب الشهير (هالي) الذي ظهر في سمائنا يوم 9 شباط ( فبراير ) من عام 1986م في تمام الساعة التاسعة والنصف ، والذي استعد العلماء لظهوره ورصده ، قبل هذا التاريخ بسنوات عديدة ، لأنهم كانوا يعلمون موعد تشريفه!
وهناك إلى جانب ما ذكرناه تنبؤات عديدة لا تقل غرابة وإثارة .. نذكر منها ما يلي:
يقول العالم ( ريتشارد سيلزر ) : ( إن أهم التطورات التي ستفضي إليها البحوث في العشرين سنة المقبلة ، ستكون بلا شك العقاقير المضادة للفيروسات ، واللقاحات التي ستؤدي إلى انقراض الأمراض السارية من على وجه الأرض .. أما علم الهندسة الوراثية ، فسوف يساعد في القضاء على العاهات الوراثية ، التي ضربت المجتمعات منذ زمن بعيد .. يقيني أن التحكم بالتقنيات المختصة بمعاملة الموروثات البشرية ستخلف سلالات بشرية متفوقة ، وأن هذه الحقيقة قد بدأت بشائرها اليوم . وعلى المستوى الاجتماعي والنفسي والسياسي هناك تنبؤات أكثر غرابة وأبعد شأوا ، يقول الأستاذ( تيموتي ليري ) .. سوف نشهد في العقود المقبلة اضمحلال السياسات الحزبية ، فهذه من مخلفات العهود الإقطاعية ، أو من بقايا العصر الصناعي ، في أحسن الأحوال ، فمن الجنون أن يتم حكم أمريكا مثلًا - وهي ذلك المجتمع التكنولوجي المعقد والتعددي - على هذه الصورة المتخلفة .. سوف نصبح كلنا مسؤولين ومشاركين في الحكومة ، وسنقوم بالتصويت الإلكتروني ، ومن منازلنا ، ولن نحتاج إلى مرشحين حزبيين مخاتلين ، يلعبون على أوتار معتقداتنا وعواطفنا !
ويقول أيضًا: ( في غضون العشرين سنة المقبلة ستطرح في الأسواق مئات الأصناف المتطورة من(النواقل العصبية) التي تسمح بتنشيط الدماغ ، وتحسين الأداء الفكري ، وتعديل المشاعر والأحاسيس ، بالكيفية التي تريد ، وستظهر كذلك (أجهزة الراديوات الدماغية) القادرة على التقاط الموجات الكهربائية الصادرة عن الدماغ ، وتعديل كيفيتها ، بحيث يمكن تسريع عملية التفكير أو إبطائها ، وهذه الأجهزة سوف تعيننا على التفكير بوضوح ، وعلى التواصل فيما بيننا بصورة أفضل، وهكذا أخذت تظهر يومًا بعد يوم تنبؤات جديدة لعلماء الاستشراف المستقبلي ، لتضيء لنا صورة المستقبل شيئًا فشيئًا ، حتى كأننا نراه عيانًا .. ، وهي ليست مجرد تنبؤات للتصدير الإعلامي ، بقصد التشويق والإثارة ، بل هي في الحقيقة تشكل الهيكل الأساسي للبرامج ، التي تعتمد عليها شركات الإنتاج والتصنيع ، التي أصبحت بسبب تسارع إيقاع العصر ، تهتم بالمستقبل ، ربما أكثر مما تهتم بالحاضر ! وهذه التنبؤات ليست تنبؤات منجمين يضربون بالرمل ، ولا شطحات شعراء يهيمون وراء الخيال .. بل هي تنبؤات تقوم على أسس راسخة من المعرفة الصحيحة بطبيعة السنن ، التي فطر الله عليها أمور الخلق .. فهذه المعرفة هي التي أمدت العلماء بقدرات عظيمة ، استطاعوا بها استشراف آفاق المستقبل ، واستنكاه ما سوف يقع فيه من أحداث، وما سوف يطرأ عليه من تحولات بالغة الغرابة.
ومما لا ريب فيه أن مثل هذه التنبؤات ، ستعطي العلماء بعدًا جديدًا للحركة ومجالًا أرحب للفكر النظري والتطبيقي ، مما سيعينهم بإذن الله على وضع البرامج المستقبلية ، الكفيلة بمواجهة التغيرات القادمة ، بصورة أكثر فعالية ، وأقدر على الاستفادة من عامل الوقت ، وتجنبهم الأخطار القادمة ، لأنهم يكونون قد أخذوا حذرهم تجاهها ، بل قد يستطيعون تسخير هذه الأخطار لصالحنا نحن البشر ، بدل أن نكتوي بنارها!
وكما قالوا ( من عرف لغة قوم أمن شرهم ) وكذلك هي معرفتنا بالمستقبل ، فهي تجعلنا نأمن شره ، وتقلل من أخطائنا ، وتجعلنا نتعامل معه تعامل الصديق ، الذي يعرف صديقه جيدًا .. ولا سبيل إلى هذه المعرفة بالمستقبل غير السير في الأرض ، واستكشاف السنن ، التي فطر الله عليها أمور خلقه !
( مفاهيم في ضوء سنة الله في الخلق ) 4 - - الخير والشر
.. بينا في فصل سابق أن الله عز وجل خلق هذا الكون البديع ، وبث فيه من المخلوقات أنواعًا كثيرة لا تعد ولا تحصى .. وذكرنا أن هذا التنوع في الخلق ، يستتبع وجود نوع مماثل في السنن التي تحكمه .. وقد اقتضت حكمة الخالق سبحانه أن تكون هذه السنن موافقة لطبيعة الأمانة ، التي وكل الإنسان بها .. كما اقتضت حكمته أن يترتب على الأخذ بهذه السنن نتائج خيرة ، إذا ما أخذ الإنسان بها على الوجه الذي بينه الشارع الحكيم ، وأما إن أخل الإنسان بهذا الشرط ، فإن النتائج تنقلب شرًا والعياذ بالله ..
ومن هنا كان الحلال والحرام في شريعة الله ، وكانت ضرورة إرسال الرسل إلى الناس لكي يبينوا لهم طريقة الأخذ بالسنن ، التي تعينهم على أداء الأمانة العظيمة ، التي خلقوا من أجلها .. وهذه من أعظم نعم الله على الخلق ، فلو أنه تركهم يعيشون في هذه الحياة بلا زاد ولا مرشد ، لتاهوا وضلوا .. ولكنه - بسبب رحمته الواسعة - أرسل إليهم من يرشدهم إلى الطريق ، ويدلهم على كيفية التعامل مع هذه الحياة تعاملًا يثمر الخير والصلاح !
* ونضرب للأمر مثلًا ..