وهو الزعم بأن الحياة على هذه الأرض مهددة بسبب فوضى في الكون، مثل الاقتراب من ثقب أسود، أو ارتطام كواكب أخرى بالأرض، أو سقوط شهب محملة بالماء في المحيطات، ... الخ. ويصور العلماء الأمريكيون أنهم قادرون على حماية هذه الأرض من كل ما يحيط بها من تلك المخاطر، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول في ذلك: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (فاطر: 41) ، إن ادعاء العلماء الغربيون أن الحياة على الأرض دمرت قبل ملايين السنين، حيث انتهت حقبة الديناصورات على الأرض، هو مجرد ظن لا دليل عليه، وحتى لو حدث هذا، فإنه ما كان قد حدث إلا بأمر الله تعالى وإرادته، ومحاولة العلماء الأمريكيين حفظ الحياة في الأرض هو من قبيل الغرور والكفر بقدرة الله تعالى على حماية الأرض، وعلى إنفاذ أمره إن شاء بتدمير البلاد التي تحتضن محاور الإلحاد، إذًا فالعملية هي تحدٍ لله عز وجل.
المحور الرابع (الكفر بقدرة الله على الرزق) :
يدعي الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية أن الغذاء غير كافٍ لمليارات البشر الذين يعيشون في الأرض، وهم يطلقون التحذيرات تلو التحذيرات لإجبار الناس على الخوف على مستقبلهم، ولإجبارهم على التسليم بما تمليه عليهم الولايات المتحدة من قوانين للحفاظ على الحياة، والله تعلى يقول {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (هود: 6) ، ويقول تعالى: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (الذاريات: 22) ، وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى دور الشمس في إمداد الأرض بالماء والطاقة اللازمة لنمو النبات وتكوين المواد التي يتغذى عليها الإنسان والحيوان، وقد يستطيع الإنسان في المستقبل استغلال الطاقة الشمسية في الحصول على كميات هائلة من الغذاء تكفي للتخلص من الجشع الذي يعاني منه الأمريكيون والأوروبيون الغربيون.
والولايات المتحدة تنظر إلى أن الإنسان - حتى يكون كريما منعما - لا بد له من أن يكون مستهلكا بنفس درجة استهلاك الغربيين والأمريكيين، حيث لا يشعر هذا الإنسان بالشبع إلا بتوفر الفواكه واللحوم وجميع ما يعرفه الإنسان من أغذية بحرية ونباتية وحيوانية على مدار السنة، ولا بد أن يأكل اللحوم ثلاث مرات يوميا على الأقل، بالإضافة إلى الخمور والمخدرات وكل أدوات التلذذ والتمتع، وبالإضافة إلى امتلاك كل شيء من السيارات وأدوات الترفيه والأدوات التكنولوجية التي توفر الراحة لهم وتجعلهم متفرغين لطلب المتع والملذات، بدون أي أخلاق أو هدف.
الخلاصة:
ينظر كثير من مثقفي هذه الأمة إلى الولايات المتحدة على أنها قدوة في مجال التقدم العلمي والتكنولوجي، ويستشهد هؤلاء بإحصائيات تنشرها الولايات المتحدة عن النسب العالية للإنفاق على البحث العلمي، وفي ذلك تضليل للأجيال الناشئة لهذه الأمة، إذ أن معظم الأبحاث العلمية التي تجريها الولايات المتحدة هي لخدمة الأغراض العسكرية التي تهدف إلى الهيمنة، وهي غير مقيدة بأي ضوابط أخلاقية ولا شرعية، وأغلب هذه النفقات تذهب إلى ما يضر الحياة البشرية مثل الأبحاث على الطاقة الهيدروجينية والنووية (التي أدت إلى تلوث البيئة وإحالتها إلى مكان غير مناسب للحياة في البحر وعلى الأرض وفي الجو) ، ويجدر النظر إلى كيف أن هذه الدول تقوم بدفن النفايات النووية في مناطق دول العالم الثالث؛ للتدليل على انحطاط الحضارة الغربية، ولا بد من معرفة كيف أن الأغذية المعدلة وراثيا واستخدام المبيدات الحشرية أدى إلى انتشار أمراض السرطان وغيرها من الأمراض التي تفتك بعشرات بل بمئات الألوف من البشر سنويا، وكذلك الإنفاق على حرب النجوم، وعلى أشعة الليزر والبلازما لاستغلالها في الهيمنة على الآخرين، واستغلال ثرواتهم وخيرات بلادهم.
إن هذا الإنفاق الهائل على البحث العلمي يأتي في إطار ضمان امتلاك أسباب القوة والتفوق على الآخرين بعيدًا عن أي قيم وأخلاق إنسانية، بل على العكس تمامًا؛ يأتي كل ذلك في إطار النظرة المادية إلى الحياة والإنسان الذي تعتبره الحضارة الغربية على أنه آلة، وفي إطار اقتصادي استغلالي لا يرحم الشعوب المظلومة المغلوبة على أمرها.
إن على المثقفين من الأمة العربية والإسلامية أن يوجهوا الأجيال الناشئة - التي هي مستقبل هذه الأمة - لإتباع المنهج الإسلامي في البحث والعلم والتعلم، ويجب أن يصبغ العلماء المسلمون أبحاثهم بالصبغة الإسلامية وأن لا يكونوا مجرد متبعين للعلماء الغربيين؛ ينصهرون في بوتقة الحضارة الغربية الظالمة، ويجب أن يقوموا بنشر التصور الإسلامي عن الكون والإنسان والحياة في الأرض، بهذا يصبح هؤلاء الباحثون والعلماء منتمين إلى الإسلام العظيم.
د. محمد الغزي
كاتب واستاذ جامعي فلسطيني
فاعلية المسلم المعاصر
رؤية في الواقع والطموح
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .
وأشهد ان لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد ان محمدًا عبده ورسوله.
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران:102]
( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءًا واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) [ النساء: 1]
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا) [الأحزاب:71]
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وشرّ الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة.
تقديم
فهذا الكتاب الاول من سلسلة كتاب الإعتصام التى تنهض بإصدارها جمعية الكتاب والسنة يحمل القائمين عليها توجه صادق ، وأمل واثق في تقديم ما يمكن ان تكون مضامينه محملة بإضافات حقيقة في عالم الفكر والمعرفة ، وميادين الدعوة والحركة ، إذ أن كثيرًا من الإنتاج التأليفى الإسلامى المعاصر ، يغلب عليه التكرار والاجترار ، فهو في غالبه لحم جمل غث على رأس جبل وعر ، لا سهل فيرتقى ، ولا سمين فينتقى .
يفترض فيمن يتصدى للكتابة والتأليف ان يتحسس إشكاليات معرفية قائمة ، واضطرابات فكرية سائدة ، ومشاكل عملية مائلة ، فيعالجها معالجة علمية هادئة ، تجيد توظيف آليات البحث العلمى الشرعى مع معرفة مناهج البحث الععلمى المعاصرة ، أما ذاك النمط من الكتابات ( التجارية ) التى يهجم فيها على التأليف ، ويتجرأ على الكتابة من لم يمتلك أدوات البحث ، ولم يتسوعب مادة العلوم ، وما غاب عنه يفوق ما اطلع عليه بأضعاف مضاعفة ، فهو تكريس لجمود العقل المسلم ، وتمكين لواقع الركود الفكرى ، وتثبيت لأركان التخلف في مجتمعاتنا.