* ومن الآثار الخطيرة أن يعود بعض هؤلاء العابثين جهلة فارغين , وهم يحملون شهادات , ولكنهم لم يستطيعوا التفرغ لطلب العلم لأنهم كانوا عنه في شغل ... هذا ، إذا عادوا ... وإن لم يعودوا فالأمر معروفة خسارته .
ملاحظة لا بد منها:
إن هذا حال معظم الراحلين إلى ديار الغرب من أبناء المسلمين , وليس هذا الحكم كليًا مطردًا ينسحب على كل مبعوث وراحل , بل لقد رأيت في رحلتي الأخيرة إلى أوروبا شبابًا يحقر المرء نفسه واجتهاده في العبادة إذا قاس نفسه إليهم , لقد رأيتهم شبابًا صالحين يندر وجودهم في هذا العصر صلاحًا ودينًا وتقوى وابتعادًا عن المحرمات .
ورأيت هناك زوجات هؤلاء الشباب فتيات مسلمات محافظات على الحجاب وقراءة القرآن وحضور مجالس العلم الديني , وهن يصلحن أن يكنَّ مثالًا وقدوة صالحة للنساء في عصرنا هذا .
ولكن عدد هؤلاء بالنسبة إلى مجموع الطلاب المبتعثين عدد قليل يجعلهم شواذ , والشاذ يؤيد القاعدة ولا يخرقها .
يتلخص لنا من هذا البحث , أن الابتعاث إلى ديار الغرب ظاهرة رافقت تخلف المسلمين وتقدم الكفار , في مجال المادة والعلوم التجريبية , وأن الابتعاث شجعته أيد أثيمة استغلت دوافعه السليمة البناءة , وأصرت أن يستمر حتى بعد مرور ما يزيد على قرن ونصف من الزمان , لأنها رأت آثاره الهدامة الخطيرة التي تفتك بالأمة وكيانها وكرامتها .
وقد ألممنا بنبذة تاريخية سريعة , وعرضنا لبعض النماذج التي انهزمت أمام حضارة الغرب , فعادت معولا يهدم في بناء أمتها ويقوض صرح كرامتها , وقررنا أن آثاره اعتقادية وخلقية وعلمية وسياسية , وضربنا على ذلك بعض الأمثلة , وأشرنا خلال البحث إلى بعض المشكلات وما نراه في حلها .
المقترحات
إزاء هذه المخاطر الجمة نرى ما يلي:
1.لا ابتعاث إلا عند الضرورة , ويمنع الابتعاث في علوم الدين واللغة إلى ديار الكفار , ويقتصر على ما تدعو إليه الضرورة في العلوم التجريبية والتطبيقية .
2.لا ابتعاث إلا بعد الماجستير .
3.انتقاء الطالب المراد ابتعاثه .
4.تعريف الطالب المبتعث بدينه وتسليحه بسلاح العلم , وإظهار عوار الديانات الأخرى , والأنظمة السياسية القائمة على أساس غير الإسلام .
5.تعريف الطالب بالمشكلات التي سيواجهها عند السفر , مثل أنواع الأطعمة والأشربة المحرمة وما إلى ذلك .
6.مساعدة الطلاب في اختيار الجامعات الجيدة .
7.إرسالهم إلى البلاد التي فيهم تنظيمات طلابية إسلامية وتعريفهم بها وربطهم بعناصرها .
8.إلزام الطالب المبتعث بأن يكون متزوجًا , وأن تكون زوجته معه ,
وإذا استطاعت الدول الإسلامية بما آتاها الله من إمكانات مادية , وأن تأتي بالطاقات العلمية إلى بلدها , وتكون الدراسة هنا في بلاد المسلمين , فإن ذلك أفضل وأكمل .
وينبغي أن نقتنع بأن هذا الابتعاث إجراء مؤقت حتى تقوم في دنيا المسلمين دراسات عليا أصلية , ويمكن لنا إذا قامت مثل هذه الدراسات , أن نستعيض بالزيارات العلمية على الدراسة الطويلة , فيطلع الزائرون _ بين حين وآخر _ على ما جدَّ من العلوم والمخترعات .
كلمة أخيرة:
أيها السادة إن مؤتمركم يناقش موضوعًا من أخطر موضوعات الإسلام في هذا العصر , وهو موضوع الدعوة إلى الله , ولقد سبق أعداؤنا إلى مؤتمرات عدة للكيد للإسلام فإن أنتم كنتم على مستوى الحاجة , وخرجتم بتوصيات جادة , تأخذ طريقها إلى التنفيذ , أحسنتم لأنفسكم وأمتكم وإلا فإني أخشى أن يكون ضرر هذا المؤتمر أكبر من نفعه .
فلنتصور عظم هذه المسؤولية التي نتصدى لحملها , ولنعِ حقيقة موقفنا في عصرنا , ولنتذكر أن لنا وقفة بين يدي الله يحاسب كلا منا عن عمله ماذا عمل فيه .
وأسأل الله أن يوفقكم ويسدد خطواتكم على طريق الحق وينفع بكم إنه سبحانه سميه مجيب . والحمد لله رب العالمين .
محمد بن لطفي الصباغ
اعترافات الدكتور محمد عماره .. !
سليمان بن صالح الخراشي
فتن بعض المسلمين خلال سنين مضت بقضية"الحوار مع الأديان الأخرى"أو مع"الغرب"بغية الوصول إلى تعايش سلمي - كما يقال - من خلال نبذ الصراعات والاعتراف المتبادل بين الجميع ، مغترين بالجهود الحثيثة التي يبذلها الآخرون بدعوى الوصول لهذا الهدف ؛ عن طريق إقامة المؤتمرات الحوارية واللقاءات .
وكان هذا البعض ينتقد كل من يحذره من هذه الدعوات واللقاءات المشبوهة المخادعة المخالفة لسنة الله الكونية والشرعية ، التي يستغلها الآخرون لاستدراج المسلمين لباطلهم ، أو دفعهم للتنازل عن شيئ من دينهم ؛ كما قال تعالى ( ودوا لو تُدهن ) . متغافلين عن إخبار الله تعالى بأن الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة ، وعن قوله ( ولا يزالون يقاتلونكم ) ، وقوله ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك . وما أنت بتابع قبلتهم . ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير ) . وقوله ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) .
إلا أن العقلاء منهم اكتشفوا بعد جهد ضائع زيف هذه المؤتمرات ودعوات الحوار ؛ عندما وجدوها لا تختلف كثيرًا عن المؤسسات التنصيرية ! رغم التضليل الخارجي المتخفي خلف الشعارات .
وأسوق هنا اعتراف فارس من فرسان هذه الحوارات واللقاءات ؛ هو الدكتور محمد عمارة ؛ الذي كان في يوم ما مخدوعًا بها ، مؤملا عليها آمالا كثيرة ؛ إلى أن اكتشف في النهاية أن آماله تتبخر مثل السراب بعد كل مؤتمر يحضره أو يشارك فيه .
ولعل في نشر اعترافه - الذي يشهد لشجاعته - عبرة لمن لازالوا يؤملون أن يجنوا من الشوك العنب .
يقول الدكتور في مقدمة كتيبه"مأزق المسيحية والعلمانية في أوربا" ( ص 5-14) : ( مع كل ذلك، فتجربتي مع الحوارات الدينية -وخاصة مع ممثلي النصرانية الغربية- تجربة سلبية، لا تبعث على رجاء آمال تُذكر من وراء هذه الحوارات التي تُقام لها الكثير من اللجان والمؤسسات، وتُعقد لها الكثير من المؤتمرات والندوات واللقاءات ، ويُنفق عليها الكثير من الأموال.
وذلك أن كل هذه الحوارات التي دارت وتدور بين علماء الإسلام ومفكريه وبين ممثلي كنائس النصرانية الغربية، قد افتقدت ولا تزال مفتقدة لأول وأبسط وأهم شرط من شروط أي حوار من الحوارات ؛ وهو شرط الاعتراف المتبادل والقبول المشترك بين أطراف الحوار، فالحوار إنما يدور بين"الذات"وبين"الآخر"؛ ومن ثم بين"الآخر"وبين"الذات"، ففيه إرسال وفيه استقبال، على أمل التفاعل بين الطرفين، فإذا دار الحوار -كما هو حاله الآن- بين طرف يعترف بالآخر، وآخر لا يعترف بمن"يحاوره"، كان حوارًا مع"الذات"، وليس مع"الآخر"، ووقف عند"الإرسال"دون"الاستقبال"، ومن ثم يكون شبيهًا -في النتائج- بحوار الطرشان! ..
موقف الآخرين من الإسلام والمسلمين هو موقف الإنكار، وعدم الاعتراف أو القبول، فلا الإسلام في عرفهم دين سماوي، ولا رسوله صادق في رسالته، ولا كتابه وحي من السماء، حتى لتصل المفارقة في عالم الإسلام إلى حيث تعترف الأكثرية المسلمة بالأقليات غير المسلمة، على حين لا تعترف الأقليات بالأغلبية!
فكيف يكون، وكيف يثمر حوار ديني بين طرفين، أحدهما يعترف بالآخر، ويقبل به طرفًا في إطار الدين السماوي، بينما الطرف الآخر يصنفنا كمجرد"واقع"، وليس كدين، بالمعنى السماوي لمصطلح الدين؟!