لعل من المناسب في هذا المقام الإشارة إلى تجربة أندونيسيا مع العالم الألماني الاقتصادي (( شاخت ) )والتي كتب عنها (( مالك بن نبي ) )ـ رحمه الله ـ في كتابه (( المسلم في عالم الاقتصاد ) )حيث أكد أن المجتمع الأندونيسي عاش في أواخر الأربعينيات من هذا القرن متوثبًا ومتحمسًا للخبرات الأجنبية، كي تعينه للنهوض باقتصاد أندونيسيا، فاستقدمت أندونيسيا عالمًا يشار له بالبنان في مجال التخطيط الاقتصادي هو الدكتور (( شاخت ) )، ووضعت تحت تصرفه كل البرامج، والخطط، والأفكار، ولكنه فشل فشلًا ذريعًا في مخططه للنهوض باقتصاد أندونيسيا. وفشله لم يكن متوقعًا في نظر الأندونيسيين، لأنه التزم في عمله بدقة فنية، وتوافرت له وسائل مادية وبشرية، كانت كفيلة بنجاح مخططه في رقعة منّ الله عليها بأخصب تربة تنبت من أنواع الخيرات كلها، في مناخ يجعلها تنتج من ثمراتها في ثلاثة مواسم، وأسكن فيها ما يزيد على مائة مليون من العباد، يعجب الإنسان من ذكائهم ومن ذوقهم الجمالي المرهف (على حد تعبير [ابن نبي ] ) . الذي يثير في تحليله للأمر سؤالًا هامًا هو: ما الذي جعل مشروع (( شاخت ) )يتعثر حتى فشل؟ ويجيب بأن الفشل ـ في اعتقاده ـ يرجع إلى أن (( شاخت ) )وضع مخططه لأندونيسيا على هوى معادلته الشخصية، وبخلفيته الاجتماعية، كفرد من المجتمع الألماني، في حين أن التجربة الأندونيسية ستجري بطبيعة الحال على أساس معادلة الفرد الأندونيسي، فتعثرت التجربة على خطأ مخططها (( شاخت ) )في تقدير المعطيات البشرية في المجال الاقتصادي لأن ذهنه يحمل لهذه المعطيات صورة واحدة تطبق في أي تجربة تجري داخل ألمانيا أو خارجها.
وقد استنتج (( ابن نبي ) )حقيقة مهمة هي: أن الواقع الإنساني لايُفسر على أساس معادلة واحدة بل حسب معادلتين:
الأولى:
معادلة بيولوجية تسوي بين الإنسان وأخيه الإنسان في كل مكان، بحيث يستطيع هذا كل ما يستطيع الآخر، إلا فيما فضل فيه بعض الأفراد على الآخرين.
والثانية:
معدلة اجتماعية، تختلف بين مجتمع وآخر، وفي المجتمع الواحد من عصر إلى آخر، حسب الاختلافات في درجة النمو والتخلف.
وإذا كانت المعادلة الأولى موهوبة من الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وميزه على المخلوقات بالتكريم فإن المعادلة الثانية هي هبة المجتمع إلى الأفراد كافة كقاسم مشترك يطبع سلوكهم، ويحدد درجة فعاليتهم أمام المشكلات بصورة تميزهم عن أفراد مجتمع آخر، وعن جيل آخر من مجتمعهم، إذا كان الفاصل الزمني كافيًا لطبع المجتمع بأسلوب آخر يتفق مع معادلته الاجتماعية.
من هذا نستخلص أهمية الذاتية في التطور والنماء، ودورها في ضمان نجاح المشاريع الاجتماعية التنموية، وحتمية مواءمتها للمعادلة الاجتماعية للفرد والجماعة؛ لتظل مهمة الجزء الاجتماعي في تلك المشاريع منوطة بأبناء المجتمع ، وأمانة في أعناقهم يحاولون معها ما وسعهم الجهد وأسعفتهم التجارب والخبرات، تحقيق الذاتية والمحافظة عليها، وإبرازها.
هل إلى خروج من سبيل؟
من أين نبدأ؟
كثيرا ما تطرح الأمم النامية، وأمتنا الإسلامية تمثل مركز الثقل فيها، على نفسها سؤالًا ، عن كيف تبدأ مشوارها الحضاري وهي تعيش محنتها مع حضارة العصر الباهرة والمسيطرة؟ ومن أين؟! وفي طرح الصيغ العملية للإجابة على سؤال البداية الحضارية، تظهر الاختلافات والاجتهادات، وتزداد السبل تفرقًا وتيهًا بالدول النامية، في محاولاتها النهوض بمجتمعاتها، بازدياد شتات فكر أبنائها، وقلة مواردها، وما تعانيه من عدم استقرار، وما ترزأ به من ضغوط خارجية، وأولويات داخلية.
كل ذلك يتم ومسيرة الزمن ممتدة، لا تعرف الانقطاع، فالزمن تيار متدفق، تتداخل فيه الأحداث، عبر تتابع متناغم، وتشابك مستمر، فاليوم هو امتداد للأمس، وغدا هو محصلة لما نقرره وننجزه اليوم.
وكما أن للتاريخ علم له مؤلفاته وبحوثه، فقد اصبح للمستقبل علم (المستقبليات )
وعالم الغد مليء بالمفاجآت التي تستدعي الدراسة والنظر بتمعن، فالأمر يستلزم أن يمتد بصرنا ليحدد واقعنا الحضاري قياسا بالواقع المعاصر للعالم المتقدم، في مجالات النهضة الحديثة، وصولا إلى تحديد معالم الطريق إلى المستقبل.
ونقطة الانطلاق لابد أن ترتكز على دراسة تحليلية، تبين جوهر المشكلة الحضارية، وتحديد مكاننا الصحيح من حضارة العصر الباسقة، قبل أن نضع الحلول، فقد مضى وقت ثمين على أمتنا، كان يمكن أن تستغله في المواجهة الصادقة لقضايا التخلف، لو أن المهتمين بأمر نهضتنا في مواقعهم المتعددة والمتباينة، أحسوا التشخيص في البداية، ولكن اليقظة الفجائية، والرغبة في التغيير بحركة سريعة قوية، لا تعطيان عادةً فرصة للتأمل والتدبر. وهذا ما حدث في شتى بقاع عالمنا العربي والإسلامي، عندما أخذت الدول بصور متفاوتة تعد للنهوض والتطور.
ولأن اليقظة كانت فجائية، والرغبة في التغيير بحركة سريعة كانت قوية، وجدنا أنفسنا ـ نحن المسلمين ـ ونحن في طريقنا إلى النهضة نتبع سبيل (الشيء ) حينما نرى أوروبا تخرج علينا بزينتها المادية البهيجة، فيقع في نفوسنا شيء مما وقع في نفوس بعض بني إسرائيل حينما خرج عليهم قارون بزينته، فقالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وهكذا عمدنا إلى تلك الحُلَّة نفصل مثلها، ونحاول أن نقلد بجهالة، عثرة المقص في يد الخياط الأوروبي، مع أن الطريق إلى الحضارة هو وقبل كل شيء طريق الفكر، الذي يحدد الوسائل ونتائجها، في مدة معلومة، بحيث يرى السائر ما سوف تنتهي إليه الطريق، قبل أن يخطو فيها خطوة واحدة. (1 )
فعن طريق التقليد، والمحاكاة، والمباهاة، تكدست بيوت القادرين منا بأحدث ثمار (( التقنية ) )، فكرست ظاهرة الركون والإخلاد المتصل لعالم الحاجات، وتعودت نفوسنا على اللهث خلف الأشياء، نقتنيها، ونتباهى بها، وما عادت النفوس قادرة على السيطرة على رغباتها؟ وكبح جماح أهوائها، دون أن نسأل أنفسنا: إلى أين نحن ذاهبون؟ وما هي نهاية عالم الأشياء؟ وما هي نتيجة هذا كله؟
وكما هو الحال دائما في (( ديناميكية ) )التغيير الاجتماعي، تبدو ظاهرة الإخلاد المستمر، والركود الدائم، لعالم الحاجات والخدمات، مرض سريع الانتشار، لا نتجاوز القصد إذا ما أسميناه بالطاعون الاجتماعي.