أما أن يكتفي بعض قادة المشروع بمشاهدة التجارب ليحكموا على هذه أنها تنقصها التربية، وعلى تلك أنها لم توفر قاعدة صلبة، ثم لا تُعرَّفُ هذه القاعدة الصلبة تعريفًا واضحًا ولا تحدد هذه التربية وكيف يحكم عليها؛ فإن هذا أمر خطير يؤدي إلى مجموعة أمور:
الأمر الأول: أننا لا نستفيد من تجارب البشرية.
الأمر الثاني: النظرة الطوباوية95 (المثالية) التي تتوقع وجود مغنم من دون مغرم.
الأمر الثالث: إشاعة البطالة الفكرية، وعدم إعمال العقل للتحول وإجراء اللازم للاستفادة من هذه التجارب والاقتباس منها.
وللتغلب على هذه القضية الخطيرة يجب التفكير في كيفية الاستفادة من التجارب الأخرى وتطويرها والبناء عليها وتجنب عثراتها بدلًا من الاكتفاء بموقع الناقد الذي يعتقد أن هناك نموذجًا مثاليًا سيحدث في مكان ما، وذلك لا يمكن أن يحدث بأي حال من الأحوال، والتاريخ شاهد على ذلك والواقع أيضًا يشهد.
إذا تمكنا من فعل ذلك نكون قد وضعنا أيدينا على منطقة هامة في تشكيل العقل القيادي وتنظيمه وترتيبه، بحيث يستطيع التعامل مع الواقع، ويستطيع أن يستشرف المستقبل وفي يده أدوات ونماذج جديدة. وكلما زادت هذه النماذج والأدوات، كلما كانت القدرة على إصدار أحكام أكثر علمية وأكثر نضجًا أمرًا شائعًا داخل هذه المجتمعات الإسلامية المراد نهضتها على جميع المستويات وعلى جميع الأصعدة.
أما القادة المستقبليين للأمة فيجب ألا يُتركوا للأعداء ليبنوا لهم تصوراتهم ويقزموا أدوارهم ويحولوهم إلى أدوات لخدمة مشاريعهم المركزية. فهم جزء من أمل الأمة في التحول والنهضة.
يشهد التاريخ والواقع باستحالة قيام أو استلام نموذج مثالي دون حدوث فترات اضطراب وانشقاق
إن انتشار ثقافة النماذج التاريخية وقوانين النهضة أساس في صناعة قادة الغد. ويجب ألا يقتصر على شريحة دون شريحة أو فئة دون فئة.. فحينما تصبح هذه النماذج والقوانين ثقافة مجتمع يمكن التعويل عليه، خاصةً في ظروفنا التي نشاهدها ونعلمها كأمة.
قراءة المسار التاريخي:
هل تسير تجارب النهضة في خط مستقيم صاعد أم في خط متعرج؟؟
إن دراسة نهضة أي مجتمع تشير إلى أن تقدم أي مجتمع لا يتم بشكل مستقيم، بل بشكل متعرج، ولكن المحصلة النهائية هي خط مستقيم عندما تزال الانكسارات.
وهذا معنى مهم لقادة النهضة عند الحكم على أي تجربة، فالمقياس العام ليس عدم وجود انكسارات وتراجعات، ولكن بقراءة الخط العام وتقدمه. فتجربة ماوتسي تونج في الصين تكللت بنجاح مذهل في المحصلة، ولكن دراسة التفصيلات تظهر أن العملية كانت كالسير في طريق مليء بالحفر و النتوءات. فمن ركز على الحفر والنتوءات ولم يستطع أن يرى الخط العام فلاشك أنه أخطأ القراءة.
إن نهضة أي مجتمع لا تمر في مسار مستقيم وإنما لابد أن تواجهها سلسلة من الانكسارات
المشهد المستقبلي
إنه مشهد ترى فيه الجموع الغفيرة من المخلصين والعاملين لنهضة هذه الأمة وقد فطنت لأهمية دراسة التاريخ والتجارب البشرية. فعكفت على استخلاص النتائج، وطرائق التغيير الناجحة والفاشلة، فتعرفت على مقومات النجاح وأسباب الفشل. فسارت في طريقها على هدى وبصيرة.
نحو التنفيذ
من أهم خطواتنا نحو النهضة دراسة التاريخ وإعادة عرضه واستخدامه في عملية البعث النفسي للأمة
ليتحقق هذا المشهد الرائع فلابد من تنفيذ الأمور التالية:
* على قادة وطلاب النهضة دراسة التجربة النبوية والعباسية والفرنسية والأمريكية والبريطانية والصينية واليابانية دراسة نوعية.
* على قادة وطلاب النهضة دراسة التجارب المتعلقة بالإنسانية المضطهدة، مثل قارة أمريكا الجنوبية، ليستعدوا لحمل مشاعل تحرير البشرية ..كل البشرية مسلمها وكافرها، وليتمكنوا من لغة الخطاب الحضاري.
* على قادة وطلاب النهضة دراسة الخط الحي المتحرك للدول: الوجود والاستقرار والتنمية.
* على مفكري الأمة وعلمائها أخذ خطوات جادة نحو إعادة عرض التاريخ بما يحقق البعث النفسي لجموع العاملين وجماهير الأمة وقادتها.
* على الجهات التثقيفية والمؤسسات الإعلامية أن تستخدم التاريخ كأداة لرفع الروح المعنوية، وأن تعرض تجارب الأمم التي أرادت النهوض وتسلط الضوء على النقاط المفصلية في حركات النهضة.
تذكر أن
* التاريخ ليس هو الماضي، ولكنه قاعدة الحاضر، وانعكاس الاثنين على المستقبل.
* القائد يتبع ثلاث طرق في التفكير: طريق المنظر والطبيب ورجل الأعمال.
* دراسة التجارب التاريخية هي جزء من بناء الفكر الاستراتيجي للقادة.
* التاريخ يستهدف جمع المعلومة وتحقيقها وتدوينها وتفسيرها.
* دور القائد هو مقارنة الوقائع وربط الجزئيات بالكليات، والإطلاع على حقول واسعة من المعرفة والتجربة، وتشكيل المعلومات في نسق واستخلاص النتائج.
* التاريخ هو أداة لاستخراج النماذج والمقاربات، وأداة للإقناع، وأداة لرفع الروح المعنوية.
* العالم الأوروبي أعاد عرض التاريخ بما يحقق البعث النفسي للشعوب والجماهير الأوروبية.
* يعد إعادة عرض التاريخ بما يحقق البعث النفسي للأمة الإسلامية من أهم واجبات العاملين في مشروع النهضة اليوم.
* التاريخ نوعان: تاريخ كبير يرفع الروح المعنوية، وتاريخ صغير لخفض الروح المعنوية للشعوب.
* التجربة النبوية، والتجارب الصينية واليابانية والفرنسية والبريطانية والعباسية تعد من أهم التجارب التي يجب على القادة دراستها. وهي ليست الوحيدة بل مقترح أولي.
* دراسة التجارب التاريخية لابد أن تكون دراسة نوعية استقرائية، لا دراسة قصصية للمتعة والتسلية.
* المراحل التي تمر بها الدول هي مراحل تهديد الوجود ثم تهديد الاستقرار ثم تهديد التنمية. ولكل مرحلة فلسفة عمل وتوازنات مختلفة. وقراءة طرق وأنماط الأداء في كل مرحلة تعطي رؤية مختلفة لأنواع الأداء وفنونه.
المشهد الراهن
إنه مشهد يصور الحالة الإسلامية البسيطة التي تفتقد الثقافة الإحصائية
سنرى في هذا المشهد الجديد كثيرًا من العاملين الذين لا تزيد ثقافتهم عن الثقافة الخطابية المعهودة، أو الثقافة الصحفية البسيطة، بينما ثقافتهم الإحصائية ومعرفتهم بالمؤشرات الحساسة وطريقة قراءتها واستخدامها لتغيير الواقع معرفة محدودة جدًا. كما أن الكثيرون يعتقدون أن هذه الثقافة الإحصائية ثقافة دخيلة على الإسلام.
وسنجد الكثير من التجمعات والهيئات والحركات المساهمة في المشروع النهضوي لهذه الأمة تفتقد أبسط المعلومات عن أهم القضايا التي تواجهها أمتنا؛ بل تفتقد ثقافة المعلومات. إذ ليس من ثقافة بيئتنا استخدام المعلومات. بل وحتى مراكز البحث ذات الصلة بهذا النشاط الإحصائي قد لا تتميز بالكفاءة المطلوبة، وربما تفتقد إلى الرؤية الواضحة لما يجب أن يكون عليه حال الأمة، بل وربما لا تستخدم مؤشرات القياس الحساسة التي تحتاجها حركة النهضة. وليت الصعوبات تتوقف عند هذا الحد، ولكن الأخطر من ذلك هو عدم وصول المعلومات - حتى ولو كانت غير دقيقة - للعاملين في حقل التغيير. فالمراكز والبحوث تعمل في جانب، والقادة والعاملون يجتهدون في جانب آخر. ويفتقد كلاهما إلى التواصل والتآزر والتعاون.
وهكذا أضحت الساحة الإسلامية ميدانًا للأنشطة والأعمال الكثيرة التي لا يدرك العاملون نتائجها وهل آتت أُكُلَها أم لا، وهل تُحدِث فارقًا في حركة الأمة ونهضتها أم لا.
رفع الواقع
ترى هل تحكم على الواقع من خلال انطباعاتك أم من خلال لغة الأرقام؟؟