لكل أمة تاريخان: كبير يرفع الروح المعنوية، وصغير يخفض الروح المعنوية
التاريخ أداة لخفض الروح المعنوية
وهنا لابد من الإشارة إلى أمر هام، وهو أن التاريخ إذا كان يستخدم كأداة لرفع الروح المعنوية - لو كان المقصود بناء أمة - فهو يستخدم أيضًا لتشويه الأمم وخفض روحها المعنوية - لو كان المقصود هدم أمة. فلو كان المراد هو بناء الأمة يتم استعراض تاريخ الإنجازات في الفتوحات والتقدم والتوسع الحضاري والتاريخ العلمي وتاريخ الإنجازات التطبيقية في مجالات العلوم وغيرها وهو ما يسمى بالتاريخ الكبير. أما إذا كان المراد تشويه سمعة أمة أخرى فيتم استعراض تاريخ القصور والصراعات التي كانت على الحكم, وأحوال الملوك ورجال ونساء البلاط وهو ما يسمى بالتاريخ الصغير، ويتم تجاهل التاريخ الكبير تمامًا.
إذاًَ هناك تاريخ كبير يرفع من معنويات أي أمة، وهناك تاريخ صغير يمكن أن يحط من قدر أي أمة. فإذا افترضنا أن التاريخ ليس أداة محايدة تُذكر فيها كل الإيجابيات والسلبيات - وذلك لا يحصل في الغالب - إنما يستخدم التاريخ في كثير من الأحيان كتاريخ وظيفي؛ بمعنى أنه يستخدم لتعزيز قوة ومنعة أمة ما وحصانتها وإحساسها بهويتها، فإذا وجدت في مجتمعاتنا من يشتغلون بالتاريخ الصغير وينسون تاريخ الفتوحات وتاريخ العظماء والمبدعين في الأمة فاعلم أنهم يعملون لصالح مشروع آخر. هذه حقيقة لا يجادل فيها إلا من لا يعرف نوعية الدراسات التاريخية التي تقدم، وكيف يقدم التاريخ وكيف يستخدم.
التاريخ الكبير
التاريخ الصغير
لرفع الروح المعنوية
لخفض الروح المعنوية
أنواع التاريخ
ما هي المساحة المطلوب دراستها في الحد الأدنى؟؟
يحتاج المسلم إلى خارطة معرفية جيدة تضم التجارب التاريخية الإسلامية وغير الإسلامية.. السالبة والموجبة
ما يجب أن يدرسه طلاب النهضة
نعود لنقرر أننا يجب أن نحدد المساحة التي يحتاجها قائد النهضة من التاريخ. فمما لاشك فيه أنه لا يوجد الوقت الذي يستطيع فيه الإنسان أن يقرأ كل شيء، فما الذي سننتقيه من التجارب لتتم دراسته؟ وكيف ندرب طلاب النهضة على الدراسة المنهجية لهذه التجارب؟
إن الحد الأدنى الذي يحتاجه القائد هو دراسة شيء من نهضات الأمم في الشرق وفي الغرب. وليبدأ بتاريخ أمته. فليبدأ بدراسة السيرة النبوية ودراسة التاريخ الإسلامي. وهذه الدراسة تلعب دورًا كبيرًا في تأطير الفكر الإسلامي النهضوي.
ثم ليدرس تاريخ الصين، وتاريخ الثورة الفرنسية قبل وأثناء وبعد قيامها، وتاريخ بريطانيا، وتاريخ اليابان، وتاريخ ماليزيا، وربما يحتاج الإنسان أن يقرأ تاريخ قارة أمريكا الجنوبية إذ أن كثيرًا من المسلمين يعتقدون أن ظاهرة الهيمنة وظاهرة الاحتقار وظاهرة الأذى تقع على المسلمين وحدهم، وينسون أن شعوبًا مسيحية ممتدة في أمريكا الجنوبية تعاني مما يعاني منه المسلمون. وفي ذلك توسيع للآفاق، في نظرة إنسانية شاملة، تبحث عن العدل والإنصاف، وليس عن الاستعلاء لسبب أو لآخر، لقول الله سبحانه وتعالى:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"93، وقوله:"وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"94. إن قضية الاستعلاء والاستكبار تشمل البشرية، وإن التحرير يجب ألا ينصب على تحرير المسلمين وحدهم، بل على تحرير البشرية من الظلم، وبعدها للبشرية أن تختار، وللناس أن يختاروا عقائدهم وأديانهم كما يشاءون، ولكن على قاعدة سواء من العدل تشمل جميع الناس مسلمهم وكافرهم.
لابد من الدراسة المتأنية العميقة لتجارب ما قبل الدولة وما بعد الدولة
إذًا يحتاج الإنسان إلى خارطة معرفية جيدة على الأقل في هذه المساحات التي تحدثنا عنها. كما أننا نحتاج إلى دراسة الفرق الإسلامية دراسة متمعنة في معطياتها العامة، وفي أثر الواقع عليها، وفي قيادتها، وفي إدارتها، وفي اختيار شرائحها، وفي الخطاب الذي تترست به، وفي التمويل، وفي التأمينات، وفي السياسات، وفي أطروحاتها الشرعية، وفي التوقيت، وفي الصبر والحكمة والأناة فيها، وفي الاستراتيجية والتكتيك، وفي الإشكاليات التي واجهتها، سواء كانت هذه التجارب ناجحة أو فاشلة. إن دراسة بهذا المعنى الذي ذكرناه تثري عقلية القائد وتضع له نماذج كثيرة ومتعددة يستطيع أن يلجأ إليها.
وحسبك أن تقرأ في التجارب الناجحة التجربة العباسية قبل التمكين، لترى عظم الثروة التي قد تتاح عند دراسة التجارب التاريخية بشكل مختلف وبطريقة مختلفة.
ويلزم القائد أن تكون له خارطة مبسطة لا تزيد عن صفحة واحدة لتاريخ أمته بحيث يستطيع أن ينسب كل المعلومات الأخرى التي ترد إليه إلى هذه الخارطة الصغيرة الموجودة في ذهنه. وسوف نتحدث عن هذه الخارطة التاريخية في كتاب منفصل بإذن الله.
كيفية تناول التجارب التاريخية
السؤال الذي يتلو ذلك: ما هي نوعية الدراسات التي يجب أن نضعها في القضية التاريخية ونقترحها على القادة؟
عند دراسة أي تجربة من التجارب التاريخية التي وصلت إلى التمكين يجب دراسة ما فعلته هذه الحركة أو الدولة أو التنظيم أو غيرها في فترة ما قبل التمكين. فتدرس المعطيات العامة فيها، ودرجة المرونة عند قيادتها في اختيار البدائل، وعدم الانغلاق على بديل واحد، وأثر الواقع واختيارها للموقع، واختيارها للقيادة وتأمينها، ونوعية الإدارة التي نظمتها، وكيف اختارت شريحة البدء وشريحة التغيير وشريحة ما بعد التمكين؟ وكيف
لابد من الدراسة المتأنية العميقة لتجارب ما قبل الدولة وما بعد الدولة
لابد من دراسة فترة الاضطراب الأولى التي تحدث في أعقاب التمكين، ونشأة وعوامل الاستقرار المؤدي إلى التوازن
صاغت خطابها قبل وأثناء وبعد التمكين؟ وما هي نوع التأمينات التي حصنت بها حركتها وهي تتحرك في كل مرحلة من المراحل؟ ثم ما هي السياسات العامة التي اتبعتها؟ وكيف تعاملت مع قضية الشرعية؟ وكيف اختارت توقيتات التحركات؟ وما درجة الحكمة والصبر والأناة لدى قادتها؟ وما هي الاستراتيجية والتكتيك في عملها؟ ثم ما هي الإشكاليات التي واجهتها وكيف تغلبت عليها؟
ويتوقف كثير من العاملين عند هذه المرحلة، ويهملون دراسة الدولة بعد قيامها. فكثير من طلاب النهضة يعتقدون أن الدولة التي تواجه صعوبات بعد التمكين لم تعد إعدادًا جيدًا لمرحلة التمكين، وهذا خطأ فادح،
إذ أن كل حركة تصل إلى التمكين لابد أن تواجه بإشكاليات تهدد وجودها ابتداءً. حدث هذا في حركات التمكين التي قادها الأنبياء، وفي حركات التمكين التي قادها المصلحون، بل وحتى في حركات التمكين التي قادها غير المسلمين في عصرنا هذا وفي كل عصر.
إن الدولة عندما تنشأ تواجه بالعديد من المشاكل التي تهدد وجودها، ثم هي تتعامل بتوازنات الدولة حتى تستطيع أن تحقق استقرارًا ما فتنتقل من تهديد الوجود إلى إيجاد الاستقرار وتأمينه الاستقرار للانطلاق إلى مرحلة النهضة والتنمية.
لابد أن يدرس طلاب النهضة فترة الاضطراب الأولى التي تحدث في أعقاب التمكين، ثم كيف ينشأ الاستقرار، وما عوامل الاستقرار التي أدت إلى إحداث التوازن؟ ثم كيف انتقلت أي دولة لعملية التنمية أو تراجعت من التنمية إلى منحدرات تهديد الوجود؟.
تهديد وجود
تهديد استقرار
تهديد تنميةالمراحل التي تمر بها الدول
إن دراسة هذا الخط الحي المتحرك في أي دولة من الدول هام جدًا بالإضافة إلى دراسة أسباب الهبوط أوالانكسار إن حدث.
يشهد التاريخ والواقع باستحالة قيام أو استلام نموذج مثالي دون حدوث فترات اضطراب وانشقاق